(39) يوم الخندمة
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. دخول مكة. في صباح السابع عشر من رمضان، تحرك النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان في مضيق الوادي حتى يرى الجيش وهو يمر، ففعل، فمرت القبائل، فكل قبيلة معها رايتها، فكلما مرت به قبيلة يقول: يا عباس، من هذه؟ فيقول سليم، فيقول أبو سفيان: ما لي ولسليم؟ ثم تمر به القبيلة، فيقول: يا عباس، من هؤلاء؟ فيقول مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة؟ حتى نفذت القبائل، فما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها، فإذا أخبره قال: ما لي ولبني فلان؟ ما لنا طاقة أن نقاتل كل هؤلاء؟ حتى مر به الرسول صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحدق من الحديد. قال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار. قال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة. ثم قال. والله يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلك ابن أخيك اليوم عظيماً. قال العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال: فنعم إذن، إنها النبوة. وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة رضي الله عنه، فمر سعد بأبي سفيان فقال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشاً. فلما حاذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أما تسمع ما قال سعد؟ قال: وما قال؟ قال: قال كذا وكذا. فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل اليوم يوم تُعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً. ثم أرسل إلى سعد، فنزع منه اللواء ودفعه إلى ابنه قيس. وقيل: إن اللواء لم يخرج عن سعد، وقيل: دفع إلى الزبير، والله أعلم. فدخل أبو سفيان وقال لقريش: قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وأصبحت أم القرى وقد قيد الرعب حركاتها، واختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، يرتقبون مصيرهم وهم واجمون، وإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. كنوز السيرة. يوم الخندمة. وخرجت مجموعة تريد الدفاع، منهم عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وحماس بن قيس، ومعهم آخرون، واجتمعوا في مكان يقال له الخندمة، وحماس بن قيس كان يجهز سلاحًا له، فقالت له امرأته: لماذا تعد هذا السلاح؟ قال: لمحمد وأصحابه. قالت: والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم قال: إن يقبل اليوم فما لي علة، هذا سلاح كامل وألة، وذو غرارين سريع السلة. دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد جعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، ومعه أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، فأمره أن يدخل مكة من أسفلها، وقال: إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدًا حتى توافوني على الصفا. وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وكانت معه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شعار المسلمين على ثلاث: أما المهاجرون فكان شعارهم يا بني عبد الرحمن، وأما الأوس فكان شعارهم يا بني عبيد الله، وأما الخزرج فكان شعارهم يا بني عبد الله. دخل الجيش، وما واجهوا أي صعوبة للدخول إلى مكة، أما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إلا أناموه، وممن قتل مع خالد كرز بن جابر وخنيس بن خالد، كانا شذاذًا عن الجيش، ولقي خالد أهل الخندمة: عكرمة وصفوان وسهيل وحماس وغيرهم، فناوشوهم شيئًا من القتال، فأصابوا من المشركين اثني عشر رجلًا، وانهزم البقية، كمن هزم حماس بن قيس، فدخل على امرأته وقال: أغلقي الباب، فقالت: أينما كنت تقول: إن يقبل اليوم فما لي علة، هذا سلاح كامل وألة، وذو غرارين سريع السلة. فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة، واستقبلتنا بالسيوف المسلمة، يقطعن كل ساعد وجمجمة، ضربًا فلا يُسمع إلا غمغمة، لهم نهيت خلفنا وهمهمة. لم تنطق باللوم أدنى كلمة، فأقبل خالد حتى وصل الصفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المسجد. كنوز السيرة. دخوله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام. ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، ودخل المسجد الحرام، وأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد. هذه كانت قبل قليل آلهة مقدسة، تُعبد وتُدعى ويُستغاث بها، أما الآن فهي جص وتراب. كما قال نبي الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم لقومه: قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت الله الحرام، ثم دخل الكعبة، وصلى هناك وكبر في نواحي البيت، ووحد الله سبحانه وتعالى. ورأى داخل الكعبة صورًا لإبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، كفعل أهل الجاهلية، وقال: قاتلهم الله، والله ما استقسما بهما قط. ثم أمر بالصور فمُحيت، ولم يصلِّ في البيت حتى مُحيت، فلما مُحيت صلى داخل البيت ركعتين، وفي هذا دليل على كراهية الصلاة في المكان الذي فيه صور. ثم جلس في المسجد صلى الله عليه وسلم، وقام إليه علي بن أبي طالب ومعه مفتاح الكعبة، فقال له: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. وكانت المفاتيح قبل ذلك عند عثمان بن طلحة من بني شيبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال له: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء. ثم أعطاه المفتاح، وقال له: خذها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم. واستمرت مفاتيح الكعبة مع بني شيبة. يقول ابن حزم رحمه الله: فهي اليوم في ولده. وكلام ابن حزم كان سنة ست وخمسين وأربعمائة من الهجرة، واليوم في يومنا هذا سنة ست وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة، والمفتاح ما زال مع بني شيبة. وجاء في الهامش: واليوم نحن في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة. وقيل: إن أهل مكة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء. ولكنه ضعيف لا يصح سندًا، ولكن ثبت أنه عفا عنهم صلى الله عليه وسلم. ثم لما جاء وقت الصلاة، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلالًا أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس في فناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أُسيدًا ألا يكون سمع هذا، أي إن والدي مات ولم يسمع الأذان، فيسمع منهما يغيظه. فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته. فقال أبو سفيان: أما والله ما أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء. فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد علمت الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، ولكنه الوحي من الله تبارك وتعالى. فقال الحارث وعتاب: نشهد إنك لرسول الله. والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أم هانئ أخت علي بن أبي طالب، فاغتسل وصلى ثمان ركعات في بيتها، فقال بعضهم: هي سنة الفتح، فاتخذها بعض القادة إذا فتحوا بلادًا سنة، وقال بعضهم: هي صلاة الضحى. قالت أم هانئ لرسول الله: زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلًا أجرته، فلان بن هبيرة. فقال رسول الله: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ. وفي رواية قالت: كنت أمنت رجلين من أحمائي، فأراد علي قتلهما. ولما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد جاء أبو بكر بأبيه يقوده، وكان أعمى، فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه؟ فقال: هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه. فأجلسه ثم مسح الرسول صلى الله عليه وسلم على صدره، فقال: أسلم تسلم. فأسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيروا الشيب ولا تقربوه السواد. وهذه العائلة، عائلة أبي بكر، أسلم الجد وهو أبو قحافة والد أبي بكر، فيكون صحابيًا. وأبو بكر صحابي، وعبد الرحمن بن أبي بكر صحابي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر أيضًا صحابي، وهذه العائلة الوحيدة التي فيها أربعة أجيال كلهم صحابة، ويصدق هذا على أربعة آخرين، وهم عبد الله بن الزبير صحابي، أمه أسماء صحابية، جده أبو بكر صحابي، وجد أمه وهو والد أبي بكر الصديق صحابي كذلك. كنوز السيرة. إهدار دم بعض المجرمين. دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة، وأهدر دماء تسعة نفر كانوا من أكثر المجرمين إجرامًا، وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد العزى بن خطل، عبد الله بن أبي سرح، عكرمة بن أبي جهل، الحارث بن نفيل بن وهب، مقيس بن صبابة، هبار بن الأسود، قينتان كانتا تغنيان وتهجيان النبي صلى الله عليه وسلم، وسارة، وهي مولاة لبعض بني عبد المطلب، التي وجد معها الكتاب الذي أرسله حاطب بن أبي بلتعة. أما ابن أبي سرح، فجاء إلى عثمان واستجار به، فذهب به عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشفع له، فشفعه به النبي صلى الله عليه وسلم. وأما عبد العزى بن خطل، فوجد متعلقًا بأستار الكعبة، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بقتله. وأما مقيس بن صبابة، فكذلك قتل، قتله نميلة بن عبد الله. ومقيس كان قد أسلم، ثم ارتد بعد ذلك، وقتل رجلًا من الأنصار، ولحق بالمشركين. وأما الحارث بن نفيل بن وهب، فكان شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقتله علي بن أبي طالب. وأما هبار بن الأسود، وهو الذي كان قد آذى زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فر مع عكرمة، ثم أسلم. وأما القينتان، فقتلت إحداهما، والأخرى استؤمنت ثم أسلمت. وأما سارة، قيل أسلمت، وقيل قتلت. كنوز السيرة.