(50) قصة عجيبة جميلة
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. قصة أبي محمد الميورقي. وهي قصة عجيبة مشابهة لهذه القصة، يرويها لنا أبو محمد عبد الله الميورقي، نسبة إلى ميورقة في إسبانيا، وقد كان نصرانياً ثم أسلم، وذكر قصة إسلامه. قال: لما بلغت ست سنين من عمري، أسلمني والدي إلى معلم من القسيسين، فقرأت عليه الإنجيل حتى حفظت أكثر من شطره مدة سنتين، ثم أخذت في تعلم لغة الإنجيل وعلم المنطق في ست سنين، ثم رحلت من بلدي إلى مدينة لاردة من أرض القسطلان، وهي مدينة العلم عند النصارى، فسكنت في كنيسة لقسيس كبير السن عندهم كبير القدر، اسمه نقلاو مارتن، وكانت منزلته فيهم في العلم والدين والزهد رفيعة جداً، انفرد بها في زمنه عن جميع أهل دين النصرانية، فكانت الأسئلة في دينهم ترد عليه من الآفاق، من جهة الملوك وغيرهم، ويصحب هذه الأسئلة كثير من الهدايا الضخمة، ويرغبون جميعاً بالتبرك به وفي قبوله لهداياهم، ويتشرفون بذلك. فقرأت على هذا القسيس علم الأصول وأحكامهم، ولم أزل أتقرب إليه بخدمته والقيام بكثير من وظائفه، حتى صيرني من أخص خواصه. وانتهيت في خدمتي له والتقرب إليه إلى أن دفع إلي مفاتيح مسكنه وخزائن مأكله ومشربه، جميع ذلك كله على يدي، ولم يستثن من ذلك سوى مفتاح بيت صغير بداخله مسكنه، كان يخلو فيه بنفسه، فلازمته على ما ذكرت من القراءات عليه والخدمة له عشر سنين، ثم أصابه مرض يوماً من الدهر، فتخلف عن حضور مجلس أقرانه، وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون مسائل من العلوم، إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قول الله عز وجل على لسان عيسى: إنه يأتي من بعدي نبي اسمه البارقليط، فبحثوا في تعيين هذا النبي من هو من الأنبياء، وقال كل واحد منهم بحسب علمه وفهمه، فعظم بينهم في ذلك مقالهم، وكثر جدالهم، ثم انصرفوا من غير تحصيل فائدة في تلك المسألة، فأتيت مسكن الشيخ صاحب الدرس المذكور، فقال لي: ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم؟ فأخبرته باختلاف القوم في اسم البارقليط، وأن فلاناً قد أجاب كذا، وفلاناً قد أجاب بكذا، وسردت له أجوبتهم، فقال لي: وبماذا أجبت أنت؟ فقلت: بجواب القاضي فلان في تفسيره الإنجيل، فقال لي: ما قصرت، وقربت، وفلان أخطأ، وكاد فلان أن يقارب. يقول عبد الله الميورقي: فلما قال لي: أخطأ فلان، وقرب فلان، ولكن الحق خلاف ذلك كله؛ لأن تفسير هذا العلم الشريف لا يعلمه إلا العلماء الراسخون في العلم، وأنتم لم يحصل لكم من العلم إلا القليل. فبادرت إلى قدميه أقبلهما، وقلت له: يا سيدي، قد علمت أني ارتحلت إليك من بلد بعيد، ولي في خدمتك عشر سنين، حصلت عنك من العلوم جملة لا أحصيها، فلعل من جميل إحسانكم أن تمنوا عليَّ بمعرفة هذا الاسم. فبكى الشيخ وقال لي: يا ولدي، والله أنت لا تعز عليَّ كثيرًا من أجل خدمتك لي وانقطاعك إليَّ، وفي معرفة هذا الاسم الشريف فائدة عظيمة، لكنني أخاف عليك، إن يظهر ذلك عليك تقتلك عامة النصارى. قلت له: يا سيدي، والله العظيم وحق الإنجيل ومن جاء به، لا أتكلم بشيء مما تسره إليَّ إلا عن أمرك. فقال لي: يا ولدي، إني سألتك في أول قدومك عليَّ عن بلدك، وهل هو قريب من المسلمين؟ وهل يغزونكم أو تغزونهم؟ لأختبر ما عندك من منافرة للإسلام. فاعلم يا ولدي أن البارقليط هو اسم من أسماء نبيهم محمد، وعليه نزل الكتاب الرابع المذكور على لسان دانيال عليه السلام. فقلت له: يا سيدي، وما تقول في دين هؤلاء النصارى؟ قال لي: يا ولدي، لو أن النصارى أقاموا على دين عيسى الأول لكانوا على دين الله، لأن عيسى وجميع الأنبياء دينهم دين الله، ولكن بدلوا وكفروا. فقلت له: يا سيدي، كيف الخلاص من هذا الأمر؟ قال: يا ولدي، بالدخول في دين الإسلام. فقلت له: هل ينجو الداخل فيه؟ قال لي: نعم، ينجو في الدنيا والآخرة. فقلت: يا سيدي، إن العاقل لا يختار لنفسه إلا أفضل ما يعلم، فإذا علمت فضل دين الإسلام، فما يمنعك منه؟ فقال لي: يا ولدي، إن الله لم يطلعني على حقيقة ما أخبرتك به من فضل الإسلام وشرف نبي أهل الإسلام إلا بعد كبر سني ووهن جسمي، ولا عذر لنا، بل هو حجة علينا قائمة، ولو هداني الله لذلك وأنا في سنك لتركت كل شيء ودخلت في دين الحق، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، وأنت ترى ما أنا فيه عند النصارى من رفعة الجاه والعز والترف وكثرة عرض الدنيا، ولو أني ظهر علي شيء من الميل إلى دين الإسلام لقتلتني العامة في أسرع وقت، وهب أني نجوت وخلصت إلى المسلمين، فأقول لهم: إني جئتكم مسلما. فيقولون لي: قد نفعت نفسك بنفسك في الدخول بدين الحق، فلا تمن علينا بدخولك في دين خلصت به نفسك من عذاب الله. فأبقى بينهم شيخًا كبيرًا فقيرًا، ابن تسعين سنة، لا أفقه لسانهم ولا يعرفون حقي، فأموت بينهم جوعًا، وأنا والحمد لله على دين عيسى، وعلى ما جاء به، يعلم الله ذلك مني. فقلت له: يا سيدي، أفتدلني أن أمشي إلى بلاد المسلمين وأدخل في دينهم؟ فقال لي: إن كنت عاقلًا طالبًا للنجاة، فبادر إلى ذلك، تحصل لك الدنيا والآخرة. وهنا في قوله: وأنا والحمد لله على دين عيسى، يكذب فيه على نفسه؛ لأنه قال أيضًا: إنهم بدلوا وكفروا، إلا إن كان مسلمًا يكتم إسلامه، ويقول بالتوحيد ويكفر بالتثليث، ويكتم إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال لي: ولكن يا ولدي، هذا أمر لم يحضره أحد معنا، فاكتمه في غاية جهدك، وإن ظهر عليك شيء منه قتلتك العامة بحينك، ولا أقدر على نفعك، ولا ينفعك أن تنقل ذلك عني، فإني أجحده، وقولي مصدق عليك، وقولك غير مصدق علي. ثم أخذت أسباب الرحلة إلى أن رحلت بعد ذلك إلى تونس، ودخلت في دين الله تبارك وتعالى. وكلمة باركليطا هذه يقول عنها الأستاذ عبد الوهاب النجار: جلست مع الدكتور كارلو نيلنو، فقلت له: يا دكتور، ما معنى باركليتوس؟ فأجابني بقوله: إن القسس يقولون إن هذه الكلمة معناها المعزي. فقلت له: إني أسأل الدكتور لكارلو نيلنو الحاصل على الدكتوراه في آداب اللغة اليونانية القديمة، ولست أسأل قسيسًا. فقال: معناها الذي له حمد كثير. فقلت له: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد؟ قال: نعم. قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسمائه أحمد. فقال لي: يا أخي، إنك تحفظ كثيرًا. وسكت. يقول ابن عباس عن وفد نجران: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيًا، فأنزل الله تبارك وتعالى: يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون. ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم. فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. ردَّ الله تبارك وتعالى عليهم قولهم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عيسى صلى الله عليه وسلم ما يكون وما يقول فيه المسلمون، فأنزل الله تبارك وتعالى قوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ. فَطَالَبَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُبَاهَلَةِ، فَوَافَقُوا عَلَى الْمُبَاهَلَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ، وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لِيُبَاهِلَ بِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا صِدْقَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُبَاهِلَ، قَالُوا لَهُ: بَلْ أَرْسِلْ مَعَنَا مَنْ يُعَلِّمُنَا هَذَا الدِّينَ. وَقَالَ شُرَحْبِيلٌ لِصَاحِبَيْهِ: لَقَدْ عَلِمْتُمَا أَنَّ الْوَادِيَ إِذَا اجْتَمَعَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ لَمْ يَرِدْ وَلَمْ يَصْدُرْ إِلَّا عَنْ رَأْيِي، وَإِنِّي وَاللهِ أَرَى أَمْرًا مُقْبِلًا، وَأَرَى وَاللهِ إِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَلِكًا مَبْعُوثًا فَكُنَّا أَوَّلَ الْعَرَبِ طَعَنَ فِي عَيْنِهِ وَرَدَّ إِلَيْهِ أَمْرَهُ، لَا يَذْهَبُ لَنَا مِنْ صَدْرِهِ وَلَا مِنْ صُدُورِ قَوْمِهِ حَتَّى يُصِيبَنَا بِجَائِحَةٍ، وَأَنَا أَدْنَى الْعَرَبِ مِنْهُمْ جِوَارًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلَعَنَّاهُ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَّا شَعَرَةٌ وَلَا ظُفْرٌ إِلَّا هَلَكَ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبَاهُ: فَمَا الرَّأْيُ؟ فَقَدْ وُضِعَتِ الْأُمُورُ عَلَى ذِرَاعٍ، فَهَاتِ رَأْيَكَ. فَقَالَ: رَأْيِي أَنْ أُحَكِّمَهُ، فَإِنِّي أَرَى رَجُلًا لَا يَحْكُمُ شَطَطًا أَبَدًا. فَقَالَا لَهُ: أَنْتَ وَذَاكَ. فَلَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ خَيْرًا مِنْ مُلَاعَنَتِكَ. فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: حُكْمُكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، وَلَيْلَتَكَ إِلَى الصَّبَاحِ. فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال صلى الله عليه وسلم: لعل وراءك أحدًا يثرب عليك، فقال: سل صاحبي، فسألهما، فقالا: ما يرد الوادي وما يصدر إلا على رأي شُرَحبيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كافر موفق. فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم، وكتب لهم كتابًا طويلًا، ثم أرسل أبا عبيدة عامر بن الجراح ليفقههم في دين الله تبارك وتعالى، وكان قد قال لهم: لأرسلن معكم أمينًا حق أمين، وأرسل أبا عبيدة وقال: هذا أمين هذه الأمة. كنوز السيرة. وفد بني سعد بن بكر. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضِمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه، فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد بين أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ وهذا من جفاء الأعراب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب. فقال: محمد؟ قال: نعم. فقال... يا ابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك. قال صلى الله عليه وسلم: لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك. فقال: أنشدك الله إلهك وإله أهلك، وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: اللهم نعم. فقال: أنشدك الله إلهك وإله أهلك، وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ قال صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم. ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الصلاة والزكاة، والحج والصيام، يسأله عنها بهذه الطريقة. ثم قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ولا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره، فقال صلى الله عليه وسلم: إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة. وفي رواية أن هذا الرجل قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص. فقال صلى الله عليه وسلم. أفلح والله إن صدق. ثم قدم ضِمام على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما قال: بئست اللات والعزى. فقالوا: مه يا ضِمام، اتق البرص والجنون والجذام. قال: ويلكم، إنهما لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضرته رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. وهذه من بركات بعض الناس على أقوامهم، أنهم يسلمون بفضل دعائهم لهم، أو محبة القوم لهم، أو نصيحتهم لهم، أو غير ذلك من الأسباب. كنوز السيرة. وفد صداء. لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة بعث بعوثًا، وهيأ بعثًا استعمل عليه قيس بن سعد بن عبادة، وعقد له لواءً أبيض، ودفع إليه راية سوداء، وعسكر معه أربعمائة من المسلمين، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء، وهم بطن من كهلان من قحطان. فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْجَيْشَ سَيَغْزُو قَوْمَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُكَ وَافِدًا عَلَى مَنْ وَرَائِي، فَرُدَّ الْجَيْشَ وَأَنَا لَكَ بِقَوْمِي. فَرَدَّ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، وَخَرَجَ الصُّدَائِيُّ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْهُمْ يَنْزِلُوا عَلَيَّ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ، فَحَيَّاهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ وَكَسَاهُمْ، ثُمَّ رَاحَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَقَالُوا: نَحْنُ لَكَ عَلَى مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا. فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَفَشَا فِيهِمُ الإِسْلَامُ، فَوَافَى الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ. وَهُنَاكَ وُفُودٌ أُخْرَى وَفَدَتْ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذِهِ الْوُفُودِ كِفَايَةٌ. كنوز السيرة.