(4) طفولته صلى الله عليه وسلم وحادثة شق صدره الشريف
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. طفولته صلى الله عليه وسلم وحادثة شق صدره الشريف. وهكذا بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني سعد حتى إذا كانت السنة الرابعة من عمره أو الخامسة وقع حادث عجيب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا: إن محمداً قد قتل، لأنهم رأوا الملك جاء إليه وشق صدره وأخرج قلبه. فخرجت حليمة مع زوجها ينظران إلى مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فوجداه قائماً صلى الله عليه وسلم ولكنه منتقع اللون، لأن هذا الأمر غريب بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم، وهذه آية من آيات الله تبارك وتعالى، والله جل وعلا على كل شيء قدير. وعندها خافت حليمة على النبي صلى الله عليه وسلم، فردته إلى أمه. كنوز السيرة. وفاة أمه صلى الله عليه وسلم. ولما بلغ السادسة من عمره خرجت أمه به لتزور قبر والده في طريق المدينة، فزارت قبر أبيه، وكان معها في سفرها هذا جده عبد المطلب وخادمتها أم أيمن، فبعد أن زارت قبر والده وهم في الطريق إلى مكة ماتت أمه صلى الله عليه وسلم في مكان بين مكة والمدينة يقال له الأبواء، فبعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يتيم الأب صار صلى الله عليه وسلم في السادسة من عمره يتيم الأب والأم بأبيه وأمه، ثم كفله جده ورباه، ولما بلغ الثامنة من عمره مات جده عبد المطلب، فأخذه عمه أبو طالب ورباه حتى بلغ سن الرجال صلى الله عليه وسلم، وقد قام أبو طالب بحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خير قيام، وكان ربما قدمه على ولده. كنوز السيرة. حادثة النبي صلى الله عليه وسلم مع الراهب بحيرا. ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام في تجارة له. فَمَرَّ الرَّكْبُ عَلَى رَاهِبٍ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَى، فِي مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ بُصْرَى، وَلَمَّا نَزَلَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُ أَكْرَمَ ضِيَافَتَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ مَعَكُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ. قَالَ: مَا مَعَكُمْ أَحَدٌ آخَرُ؟ قَالُوا: مَعَنَا صَبِيٌّ عِنْدَ مَتَاعِنَا. قَالَ: ائْتُونِي بِهِ. فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَآهُ بَحِيرَى الرَّاهِبُ نَظَرَ فِي وَجْهِهِ، وَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ وَقْتُ خُرُوجِ نَبِيٍّ، ثُمَّ بَحَثَ فَوَجَدَ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ وَرْمَةٍ فِي كَتِفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْخَلْفِ بِحَجْمِ الْبَيْضَةِ، فَقَالَ بَحِيرَى لِأَبِي طَالِبٍ: إِنَّكُمْ حِينَمَا أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ حَجَرٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا وَخَرَّ سَاجِدًا، وَلَا تَسْجُدُ هَذِهِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فِي أَسْفَلِ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، وَقَدْ وَجَدْنَاهُ فِي كُتُبِنَا، فَارْجِعْ بِهِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ الْيَهُودَ. فَرَجَعَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ. قَالَ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا، وَأَيْنَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ؟ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، فَإِنَّهُ أَصْغَرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ، وَأَيْنَ كَانَ بِلَالٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَشْتَرِهِ إِلَّا بَعْدَ الْمَبْعَثِ، وَلَمْ يَكُنْ وُلِدَ بَعْدُ. وأيضًا، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَمِيلَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ؛ لِأَنَّ ظِلَّ الْغَمَامَةِ يَعْدِمُ فَيْءَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَزَلَ تَحْتَهَا. وَلَمْ نَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَّرَ أَبَا طَالِبٍ قَطُّ بِقَوْلِ الرَّاهِبِ، وَلَا تَذَاكَرَتْهُ قُرَيْشٌ، وَلَا حَكَتْهُ أُولَئِكَ الْأَشْيَاخُ، مَعَ تَوَفُّرِ هَمَمِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ عَلَى حِكَايَةِ مِثْلِ ذَلِكَ. فَلَوْ وَقَعَ، لَاشْتَهَرَ بَيْنَهُمْ أَيَّ اشْتِهَارٍ، وَلَبَقِيَ عِنْدَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِسٌّ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَلَمَا أَنْكَرَ مَجِيءَ الْوَحْيِ إِلَيْهِ أَوَّلًا بِغَارِ حِرَاءَ، وَأَتَى خَدِيجَةَ خَائِفًا عَلَى عَقْلِهِ، وَلَمَا ذَهَبَ إِلَى شَوَاهِقِ الْجِبَالِ لِيَرْمِيَ نَفْسَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَيْضًا، فَلَوْ أَثَّرَ هَذَا الْخَوْفُ فِي أَبِي طَالِبٍ وَرَدَّهُ، كَيْفَ كَانَ التَّطَيُّبُ نَفْسُهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ السَّفَرِ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا لِخَدِيجَةَ؟ وَفِي الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرَةٌ تُشْبِهُ أَلْفَاظَ الطُّرُوقِيَّةِ. كنوز السيرة. حِلف الفضول. وَحَضَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْفَ الْفُضُولِ، وَذَلِكَ حِينَ بَلَغَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، وَهَذَا الْحِلْفُ تَدَاعَتْ إِلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو أَسَدٍ وَبَنُو زُهْرَةَ وَبَنُو تَيْمٍ، اجْتَمَعُوا فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ التَّيْمِيِّ لِسِنِّهِ وَشَرَفِهِ. وتعاقدوا على ألا يجدوا مظلوماً بمكة، سواء كان من أهلها أو من غيرهم، إلا نصروه وأخذوا له حقه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك: شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت. وحمر النعم هي الإبل الحمراء التي تشتاق إليها نفوس العرب وتحبها. كنوز السيرة. شبهة تعرّي النبي صلى الله عليه وسلم. في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة. قال: فحله، فجعله على منكبه، فسقط مغشياً عليه. قال: فما رئي بعد ذلك اليوم عرياناً. وبدأ أهل البدع يشنعون كيف تعرى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعمون، والرد على هؤلاء يكون بما يأتي: أولاً: هذا الحديث صحيح الإسناد لا غبار عليه، فقد أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الصلاة. باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها، فهذا الحديث قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الزهري رحمه الله: لما بنت قريش الكعبة لم يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام الحلم. ثانياً: التعري عند أهل العلم يجوز إن كان لمصلحة شرعية راجحة، كجواز التعري أثناء العلاج. فتعري النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل البعثة أولاً، وثانياً كان لمصلحة، لكي يضع ثوبه على عاتقه، لكي يتقوى بها على حمل الحجارة، وعلى قربة يتقرب بها لله جل وعلا، وهي بناء الكعبة، كما حدث لنبي الله موسى عليه السلام لما اتهمه قومه برجولته، فبرأه الله مما قالوا. وهذا كما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى صلى الله عليه وسلم يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضرباً. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبَ بِالْحَجَرِ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً. ثَالِثًا: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَعَرَّى أَمَامَ النَّاسِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَابِعًا: حِينَمَا تَعَرَّى أَمَامَ عَمِّهِ فَقَطْ، لَمْ يُقَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَأُغْشِيَ عَلَيْهِ، وَمَا رُئِيَ عُرْيَانًا بَعْدَ ذَلِكَ. كنوز السيرة. قبل البعثة. كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ يَرْعَى الْغَنَمَ مُقَابِلَ مَالٍ قَلِيلٍ لِأَهْلِ مَكَّةَ، فَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَنَحْنُ نَجْنِي الْكِبَاثَ، وَهِيَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ، السِّوَاكِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ. قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّكَ رَعَيْتَ الْغَنَمَ. قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ. قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: لَعَلَّ الْحِكْمَةَ مِنْ إِلْهَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رَعْيِ الْغَنَمِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمُ التَّمَرُّنُ بِرَعْيِهَا عَلَى مَا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِ أُمَّتِهِمْ فِي مُخَالَطَةِ الْغَنَمِ، مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ الْحِلْمِ وَالشَّفَقَةِ. لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ودفع عدوها عنها، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وخص الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر، وبعد رعي الغنم اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم بالتجارة. كنوز السيرة. زواجه صلى الله عليه وسلم. بلغ خديجة بنت خويلد ما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم من كريم الأخلاق والأمانة، فبعثت إليه، وعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام، وخديجة من أشراف قومها من بني مخزوم، وأرسلت معه غلامًا لها يقال له ميسرة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بمالها وتاجر لها، ولما رجع إلى مكة أخبرها ميسرة بما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم من كريم خلقه وحسن تعامله، وما كانت من بركة وقعت له صلى الله عليه وسلم، كل هذا جعلها تعجب به، فتحدثت عن إعجابها به مع صديقاتها، وكان ممن تحدثت معها صديقة لها يقال لها نفيسة، عندها ذهبت نفيسة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وعرضت عليه أن يتزوج خديجة، فقبل صلى الله عليه وسلم، وذهب مع أعمامه إلى عم خديجة، وتم الزواج. وكانت سنها على المشهور أربعين سنة، وقيل ثمانٍ وعشرين سنة، وكان سن النبي صلى الله عليه وسلم خمسةً وعشرين. وقد أحبها النبي صلى الله عليه وسلم حباً شديداً، ولم يتزوج عليها في حياتها أبداً. أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة. رزقه الله تبارك وتعالى من خديجة الولد، فولدت له عبد الله والقاسم وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم رضي الله عنهم. كنوز السيرة.