(36) معركة مؤتة
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. معركة مؤتة سنة ثمان للهجرة. أعظم حرب مخيفة خاضها المسلمون في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت في أول السنة الثامنة من الهجرة في جمادى الأولى، قريبًا من بيت المقدس بثمانين كيلومترًا. سبب هذه المعركة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له في الطريق شرحبيل بن عمرو الغساني، وكان عاملًا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر، فأخذه وأوثقه، ثم قدمه فضرب عنقه. والأصل في ذلك أن هذا رسول، والرسل لا تقتل مهما كان. عند ذلك جهز إليهم النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهذا أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبله مثله إلا في الأحزاب، قريبًا من هذا العدد. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الجيش زيد بن حارثة، وقال: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. وعقد لهم لواءً أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة، ويسمى بعث الأمراء؛ لأنه رتب فيه ثلاثة أمراء، ثم أوصاهم صلى الله عليه وسلم بما كان يوصي به الجيوش إذا خرجت. عن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. وهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس حريصًا على القتال، ولكنه يضطر إليه اضطرارًا. قال: الأولى ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، أي أن يهاجروا، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ لأنهم رفضوا الهجرة. قال: ولا يكون لهم شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. الثانية: إن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. الثالثة: إن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، فإن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا. وليس في هذا أي تعارض مع قول الله تبارك وتعالى: لا إكراه في الدين، فنحن لا نقاتل الناس للدخول في الإسلام، ولكن نقاتل إذا رفضوا الإسلام ورفضوا الجزية، فالقتال وسيلة وليس غاية. ولكن لماذا نطلب الجزية؟ لا بد أن نعلم أن الأرض لله، فإذا كان الأمر كذلك، فإن الله إنما خلق الناس على هذه الأرض ليعبدوه. قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. فرفض كثير من الناس أن يعبدوا الله وسكنوا في أرضه، فأرسل الله عبادًا له وأمرهم أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن رفضوا فالجزية، فإن رفضوا أمرهم أن يقاتلوا أولئك القوم الذين جلسوا في أرضه وامتنعوا عن الدخول في دينه وعبادته سبحانه وتعالى. وامتنعوا عن دفع الجزية. عند ذلك تهيأ الجيش الإسلامي للخروج، وأوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم وسلم عليهم، فبكى أحد قادة الجيش، وهو عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: أما والله ما لي حب للدنيا ولا صبابة بكم، ولكنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار، قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، فكيف لي بالصدر بعد الورود؟ ودعهم النبي صلى الله عليه وسلم، وودعهم أصحابه الذين بقوا معه في المدينة. هنا قال عبد الله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة، وضربة ذات فدع تقذف الزبدا، أو طعنة بيدي حران مجهزة، بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا، حتى يقال إذا مروا على جسدي: أرشد الله من غاز وقد رشدا. تحرك الجيش حتى نزل منطقة يقال لها معان من أرض الشام، فوصلتهم الأخبار أن هرقل نزل بمنطقة يقال لها مؤاب في أرض البلقاء في مئة ألف من الروم، وانضم إليهم مئة ألف من نصارى العرب. المسلمون لم يتوقعوا أبداً أن يخرج لهم جيش بهذه الضخامة، فجلسوا في معانى ليلتين يفكرون في أمرهم ويتشاورون، فقالوا: نكتب إلى رسول الله فنخبره بعدد عدونا، إما أن يمدنا برجال، وإما أن يأمرنا فنمضي. فقال عبد الله بن رواحة: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة. فاستقر الأمر على قول عبد الله بن رواحة، وما راسل النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن تلك الكلمة الملتهبة لعبد الله أثرت فيهم تأثيراً عظيماً، فاختفت من الصفوف مشاعر التردد، وقرروا أن يواجهوا القوم رضي الله عنهم. فلما دنا العدو من المسلمين، انحاز المسلمون إلى مكان يقال له مؤتة، فعسكروا هناك وتعبأوا للقتال، فالتقى الفريقان: مئتا ألف مقابل ثلاثة آلاف، ولكنه الإيمان، إذا هبت رياحه جاء بالعجائب. أخذ الراية زيد بن حارثة، وجعل يقاتل هو والمسلمون معه بضراوة وبسالة، فلم يزل زيد يقاتل حتى قتل رضي الله عنه وخر صريعاً. قال سلمة بن الأكوع: غزوت مع زيد تسع غزوات، كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمره علينا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة، قلت: لمن أنتِ؟ قالت: لزيد بن حارثة. وبعدما استشهد زيد، أخذ الراية جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وصار يقاتل قتالًا شديدًا، حتى إذا أرهقه القتال قال: يا حبذا الجنة واقترابها، طيبة بارد شرابها، والروم روم قد دنا عذابها، كافرة بعيدة أنسابها، عليَّ إن لاقيتها ضرابها. فصار يقاتل حتى نزل عن فرسه فعقرها، وهو أول من عقر فرسه في الإسلام، وأمسك الراية رضي الله عنه، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، فقطعت شماله، فاحتضن الراية بعضديه، فلم يزل رافعًا لها حتى قُتل، فأبدله الله بجناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء، ولذلك يقال له: جعفر الطيار. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا سلَّم على عبد الله بن جعفر يقول له: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. وكان يقال لجعفر كذلك: أبو المساكين، وقد كان هاجر الهجرتين: الحبشة والمدينة. وأخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه وقف على جعفر في مؤتة وهو قتيل، قال: عددت به خمسين ما بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره، وقد مات جعفر وعمره ثلاث وثلاثون سنة. ثم استلم الراية من بعد استشهاد جعفر رضي الله عنه عبد الله بن رواحة، تقدم بها، فصار شيء من التردد، فقال لنفسه يخاطبها: أقسمت يا نفس لتنزلن، كارهة أو لتطاوعن، إن أجلب الناس وشدوا الرنة، ما لي أراك تكرهين الجنة. ثم نزل، فأتاه ابن عم له بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك، فأخذه من يده، فانتهس منه نهسة، ثم ألقاه من يده وأخذ سيفه وتقدم، وقاتل حتى قتل، والراية معه. فتقدم رجل من بني عجلان يقال له ثابت بن أرقم، فأخذ الراية وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، فلا بد من أمير يأمر فيطاع. فقالوا: أنت. فقال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية قاتل قتالًا شديدًا. عن خالد قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، ما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما وقع، حيث كان جالسًا على المنبر والصحابة حوله، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيون النبي صلى الله عليه وسلم تذرفان من الدموع، فهم ثلاثة من صحابته، فزيد مولاه، وكان يقال له زيد بن محمد، وجعفر ابن عمه، وعبد الله شاعره ومن كبار الخزرج. قال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم. وقد فتح الله عليهم في هذه المعركة العظيمة بأنه لم يُقتل من المسلمين إلا عدد قليل، والذين قُتلوا من الكفار أكثر. ولما أخذ خالد الراية صمد طوال النهار حتى أظلم الليل فتوقف القتال، فقام بخطة عجيبة رضي الله عنه، أخذ الميمنة فجعلها ميسرة، وأخذ الميسرة فجعلها ميمنة، والمقدمة مؤخرة، وجعل المؤخرة مقدمة، وقيل إنه أرسل مجموعة يثيرون الغبار من بعيد عند الفجر، فلما أصبح الناس، الروم على ما كانوا عليه، فالذين كانوا يقاتلون في الميمنة تغيرت عليهم الأوجه، وكذلك الذين في الميسرة والمقدمة، كما أنهم يرون غبارًا من بعيد. فعلموا يقينًا أن المسلمين جاءهم مدد، فقالوا في أنفسهم: إذا كان العدد بتلك القلة ما استطعنا، فكيف وقد جاءهم المدد؟ عند ذلك تراجع الروم عن القتال، فتراجع خالد، وانحازوا إلى بلادهم، وانحاز خالد بمن معه إلى المدينة، فهذا هو النصر، أنه استطاع أن ينقذ المسلمين من قتل محتم. وقد قُتل في هذه المعركة من المسلمين: زيد، جعفر، ابن رواحة، مسعود بن الأسود، وهب بن سعد بن أبي سرح، عباد بن قيس، الحارث بن النعمان، سراقة بن عمرو، أبو كليب، جابر بن عمرو، عمرو بن سعد بن الحارث، وعامر بن سعد بن الحارث، وعددهم اثنا عشر. وفي هذه المعركة ظهرت شجاعة وبسالة بلغت حدًا لم تعرفه أمة من الأمم، وهذه الروح الإيمانية التي كانت عندهم أعطتهم إقدامًا عجيبًا حقر أمامهم كبرياء هذه الأمم التي كانت تُعرف بالعدد والكثرة، وكل هذا يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما عرفه الناس كلهم. وبعد هذه المعركة دخل في الإسلام بعض قبائل العرب، منهم بنو سليم وأشجع وغطفان وفزارة، ورجع المسلمون إلى المدينة، ففرح المسلمون بقدومهم. وأما الرواية التي تقول إنهم لما رجعوا استقبلهم أهل المدينة يقولون لهم: يا فرار، يا فرار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هم الكرار، فهي رواية ضعيفة لا تصح. كنوز السيرة.