(24) غزوة الأحزاب

كنوز السيرة · المقطع 24 من 58

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. غزوة الأحزاب سنة أربع للهجرة. وكانت في آخر السنة الرابعة، وقيل في بداية السنة الخامسة، وسبب الغزوة أنه خرج عشرون رجلاً من بني قريظة، ومعهم آخرون من بني النضير إلى مكة، وأخذوا يحرضون أهل مكة على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون: نحن معكم، ننصركم من الداخل ومن الخارج. وذهبوا إلى غطفان، وقالوا: انصروا قريشاً على محمد. وذهبوا إلى قبائل العرب يحرضونهم على قتال النبي صلى الله عليه وسلم. فخرجت قريش وكنانة، وخرج غطفان واليهود، وتجمعوا حول مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف، واتفقوا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشاً مع غطفان وكنانة واليهود تحالفوا عليه، استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه أن يحفر خندقاً، وقال: هكذا كان يفعل الفرس إذا تضايقوا. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة من جهة الشمال، لأن الجهات الأخرى كلها محصورة بالجبال. فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ مِنْهَا، فَصَارُوا يَحْفِرُونَ بِجِدٍّ وَنَشَاطٍ، وَالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَارِكُهُمْ. قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ، وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى ظُهُورِنَا، فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَكْرِمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ. وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ. فَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا، عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا. وُدٌّ مُتَبَادَلٌ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ. وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ، حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَهِيَ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَمَا صَلَّيْنَا. فَأَنْزِلْنَا سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا، إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا، وَيُعِيدُهَا: إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا. قال أبو طلحة رضي الله عنه: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجوع، ومن شدة الشكوى، رفعنا القمص عن بطوننا، نري النبي صلى الله عليه وسلم أننا نربط الحجر على بطوننا من شدة الجوع، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وإذا هو قد ربط حجرين. وهكذا يطمئن الناس إذا كان قائدهم مثل النبي صلى الله عليه وسلم، يشعر بشعورهم، يجوع كما يجوعون، ويعطش كما يعطشون، ويعمل كما يعملون، ويهتم كما يهتمون، لا يكون في برج عاجي بعيد عن الناس، وإنما يشاركهم ويخالطهم، فإذا رأوا ذلك علموا أنهم ليسوا فقط الذين يعملون، فهذا قائدهم معهم يشاركهم، بل هو أكثر منهم صلى الله عليه وسلم. كنوز السيرة. آية بينة. قال جابر: كنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة ما استطعنا تكسيرها. فَجِئْنَا إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، مَا نَسْتَطِيعُ عَلَيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا نَازِلٌ. ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَكُنَّا قَدْ مَضَتْ عَلَيْنَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَمْ نَذُقْ طَعَامًا. فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِعْوَلَ، فَضَرَبَهُ فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ. وَقَالَ الْبَرَاءُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ، عَرَضَتْ لَنَا فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةٌ لَا تَأْخُذُ مِنْهَا الْمَعَاوِلُ، فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللهِ إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى قُصُورِهَا الْحُمْرِ السَّاعَةَ. ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ، فَقَطَعَ مِنَ الصَّخْرَةِ وَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ فَارِسَ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ الْأَبْيَضَ الْآنَ. ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي. فَاسْتَبْشَرَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَادِقٌ. فَهَذِهِ لَيْسَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَرَوْنَ فِيهَا آيَةً عَلَى صِدْقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كنوز السيرة. حصار المدينة. لما جاءت قريش بجيشها وحلفائها، وحاصروا مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رآهم المؤمنون، فقالوا كما ذكر الله تبارك وتعالى عنهم: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. أما المنافقون داخل المدينة فقالوا بعكس قول المؤمنين: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. فهذان موقفان: موقف المؤمنين، وصدق الله ورسوله، وموقف المنافقين والذين في قلوبهم مرض، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا. في مثل هذه المواقف، الجوع شديد، حصار، عشرة آلاف، قلة داخل المدينة، هنا تظهر المعادن، ويظهر المؤمن ويظهر المنافق. ثم بدأ القتال، فصاروا يترامون، ووجد المشركون ثغرة، فأرادوا أن يدخلوا منها، فخرج إليهم جمع من المسلمين بقيادة علي بن أبي طالب، وسدوا عليهم الثغرة. فطلب المبارزة، فقام عمرو بن ود، أو ابن عبد ود، على خلاف في اسمه، وكان من الشجعان، فقال: من يبارزني؟ وكان قد جاوز المئة من عمره على المشهور، فخرج إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى أحد خلتين إلا أخذتها منه. قال: أجل. قال علي: فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال. فقال: يا ابن أخي، فوالله ما أحب أن أقتلك. قال علي: لكنني والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو، ونزل عن فرسه فتنازلا، فقتله علي. وكان قد قال عمرو: ولقد بححت من النداء لجمعهم هل من مبارز، ووقفت إذ جبن المشجع موقف القرن المناجز، ولذلك إني لم ألم متسرعًا قبل الهزاهز، إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز. فرد عليه علي: لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز، في نية وبصيرة والصدق منجى كل فائز، إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز. من ضربة النجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز. ثم صارت مرامات بين المسلمين والمشركين، لأنهم لا يستطيعون أن يتجاوزوا الخندق. ورمي سعد بن معاذ رضي الله عنه، وأصيب أكحله، فقال بعد المعركة: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه. وهنا يظهر بغضه لقريش أكثر من غيرهم، لأنهم آذوا الرسول صلى الله عليه وسلم وطردوه، وحاولوا قتله، وألبوا الناس عليه. فحب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وبغضهم مرتبط برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدين الله تبارك وتعالى. وهكذا يجب على المسلم أن يكون حبه وبغضه لله. ثم قال: اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل الموت فيها. ثم قال: ولكن لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة، لأنهم خانوا الله وخانوا رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم القسم الثالث من اليهود. كنوز السيرة. خيانة يهود بني قريظة. جاء رجل من بني النضير إلى كعب بن أسد، سيد بني قريظة، فقال له: حيي بن أخطب على الباب. فقال كعب: أغلقه دونه، لا أريد أن أراه. فما زال يكلمه حتى أذن له، ففتح له الباب، فقال حيي: إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بذنب نقم إلى جانب أحد. عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه. فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد أهراق ماءه، أي قد جئتني بوجه ليس فيه حياء. ثم قال: ويحك يا حيي، فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً. فقال حيي: ويحك، فرصتنا، وما زال معه حتى قال له: نعم، آتِ محمداً من الداخل. ورضي عندئذ بالغدر، ودخل في الحرب ضد المسلمين. ولما أحس النبي صلى الله عليه وسلم بالغدر، أرسل أحد أصحابه حتى يتثبت، لأن التثبت مطلوب، فقد يكون الخبر كذباً. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير. وقال: انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا، فلحنوا لي لحنا أعرفه، وإن كانوا على الوفاء، فاجهروا به للناس؛ لأن الناس قد يصيبهم نوع من الإحباط واليأس، حصار من الخارج وغدر من الداخل، فتفت هذه الأمور في أعضادهم، وإن كانوا على العهد، فصيحوا بها، فقولوا: هم على العهد يا رسول الله، حتى يطمئن الناس. فلما دنوا منهم، وجدوهم على أخبث ما يكون، يسبون الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: من رسول الله هذا؟ لا عهد بيننا وبين محمد. يتكلمون بينهم بصوت مرتفع يسمعون الناس. فانصرف هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، فلما أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، عضل وقارة. ففهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون غدر الرجيع، فاهتم النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر، وكان الموقف لا شك حرجا، كما قال الله تبارك وتعالى: إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. وأظهر بعض المنافقين كفرهم، كما قال الله تبارك وتعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ، فقال بعضهم لبعض: إن محمداً يعدنا بكنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن على نفسه حين يذهب إلى الغائط. وبعضهم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، أي خارج المدينة، ونريد أن نذهب إليها. قال الله: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا. وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه تقنع بثوبه فترة، ثم رفع رأسه وقال: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره. ثم قام صلى الله عليه وسلم يثبت الناس. كنوز السيرة.