(56) دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. وهي كثيرة جداً نذكر منها. قال الله تبارك وتعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ. وقد اتفق العلماء على أن القمر انشق للنبي صلى الله عليه وسلم، والأحاديث بهذا كثيرة جداً، منها ما أخرجه الإمام البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر بمكة فلقتين. قال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رجلاً دخل المسجد يوم جمعة من باب كان وجاه المنبر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً. فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وتقطعت السبل، فادع الله لنا يغيثنا. قال أنس: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا. قال أنس: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئًا، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت في السماء انتشرت ثم أمطرت. قال: والله ما رأينا الشمس ستة، أي ستة أيام، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبله قائمًا وقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، ادع الله يمسكها. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب ومنابت الشجر. قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس. قال شريك: فسألت أنسًا: أهو الرجل الذي سأل أولًا؟ قال: لا أدري. وعنه رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر. والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الماء، فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضأوا عن آخرهم. وعنه رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالزوراء، فأتي بإناء فيه ماء لا يغمر أصابعه، فأمر أصحابه أن يتوضؤوا، فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال: كنا ثلاثمائة. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية أربعة عشرة مئة، والحديبية بئر، فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير البئر، فدعا بماء، فتمضمض ومج في البئر، فمكثنا غير بعيد، ثم استقينا حتى روينا، وروت أو صدرت ركابنا. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه. فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيَسْتَتْبِعَنِي، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَمَرَّ عُمَرُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيَسْتَتْبِعَنِي، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَمَرَّ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَرَفَ مَا فِي وَجْهِي وَمَا فِي نَفْسِي، وَقَالَ: أَبَا هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: الْحَقْ. فَاسْتَأْذَنْتُ فَأَذِنَ لِي، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِهِ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَقَالُوا: أَهْدَاهُ لَنَا فُلَانٌ أَوْ آلُ فُلَانٍ. قَالَ: أَبَا هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَأْوُوا إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ. إِذَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةٌ أَصَابَ مِنْهَا، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِنْهَا، وَإِذَا جَاءَتْهُ الصَّدَقَةُ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يُصِبْ مِنْهَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُصِيبَ مِنَ اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا بَقِيَّةَ يَوْمِي وَلَيْلَتِي. وَقُلْتُ: أَنَا الرَّسُولُ، فَإِذَا جَاءَ الْقَوْمُ كُنْتُ أَنَا الَّذِي أُعْطِيهِمْ. وَقُلْتُ: مَا يَبْقَى لِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ. ولم يكن من طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بد، فانطلقت فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت، ثم قال: أبا هريرة، خذ فأعطهم. قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيهم، فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد القدح حتى أتيت على آخرهم، ودفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ القدح فوضعه في يده، وبقي فيه فضلة، ثم رفع رأسه ونظر إليَّ وتبسم، وقال: أبا هريرة. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: بقيت أنا وأنت. قلت: صدقت يا رسول الله. قال: فاقعد واشرب. قال أبو هريرة: فقعدت وشربت، ثم قال: اشرب. فشربت، فما زال يقول لي: اشرب. فأشرب حتى قلت: لا، والذي بعثك بالحق، لا أجد له مسلكًا. قال: ناولني القدح. فرددت إليه القدح، فشرب منه الفضلة. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي، ولافتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فذهبت به، ووجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فقمت عليه، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلك أبو طلحة؟ قلت: نعم. قال: بطعام؟ قلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: قوموا. فانطلق، وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلم يا أم سليم، ما عندك؟ فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت أم سليم عكًا فأآدمت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة. فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، فَقَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وَدَهَنَّا. قَالَ: افْعَلُوا. فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلُوا قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ الْبَرَكَةَ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَطْعٍ فَبُسِطَ، وَدَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ فَجِيءَ بِهَا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ التَّمْرِ، وَالْآخَرُ بِالْكِسْرَةِ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النَّطْعِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَسِيرٌ، فَدَعَا لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ: خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ. فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً حَتَّى مَلَؤُوهُ، وَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَ فَضْلَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لاَ يَلْقَى اللهَ بِهَا عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فَيُحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، وَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا وَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا وَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمُنْتَصَفِ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَأَمَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ، فَالْتَأَمَتَا. قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يَحُسَّ بِقُرْبِي فَيَبْعُدَ، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلٌ، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا، وَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ وَقْفَةً، وَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا يَمِينًا وَشِمَالًا. أن ينظر حوله. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا منه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين تريد؟ قال: إلى أهلي. قال: هل لك إلى خير؟ قال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة. فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على شاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خداً، فقامت بين يديه صلى الله عليه وسلم، فاستشهدها ثلاثاً، فشهدت أنه كما قال، ثم إنها رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إلى قومه فقال: إن يتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت إليك وكنت معك. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبراً؟ قال: إن شئتم. فجعلوا له منبراً، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي. ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه، يئن أنين الصبي الذي يسكن. قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها. عن أنس رضي الله عنه أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكنت. عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه مستصعب عليهم، فمنعهم ظهره، وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا. فدخل الحائط، والجمل في ناحيته، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. فقالت الأنصار: يا رسول الله، إنه قد صار مثل الكلب الكلب، وإنا نخاف عليك صولته. فقال: ليس علي منه بأس. فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل نحوه حتى خر ساجدًا بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كان قط، حتى أدخله في العمل. فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه البهيمة لا تعقل تسجد لك، ونحن أحق أن نسجد لك. فقال: لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها. والذي نفسي بيده، لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد، ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: عدا ذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعد الذئب على ذنبه فقال: ألا تتقي الله؟ تنزع مني رزقًا ساقه الله إلي. فقال الراعي: يا عجبي، ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس. فقال له الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب. يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي: الصلاة جامعة. ثم خرج فقال للراعي: أخبرهم. فأخبرهم الراعي بما سمع من الذئب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق، والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده. عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: إن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال له صلى الله عليه وسلم: كل بيمينك. قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت، ما يمنعه إلا الكبر. قال: فما رفعها إلى فيه. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رجلاً كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران عز فينا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملي عليه: غفوراً رحيماً. فيكتب الرجل عليماً حكيماً، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب كذا وكذا. قال: أكتب كيف شئت، ويملي عليه عليماً حكيماً، فيكتب سميعاً بصيراً، فيقول: اكتب كيف شئت. قال: فارتد ذلك الرجل عن الإسلام، فلحق بالمشركين، وقال للمشركين: أنا أعلمكم بمحمد، وإني كنت لا أكتب إلا ما شئت، فمات ذلك الرجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الأرض لا تقبله. قال أنس: فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل، فوجده منبوذاً، فقال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل؟ قالوا: قد دفناه مراراً فلم تقبله الأرض. كذلك من دلائل نبوته ما وقع له عند أم معبد لما سألها: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: أتأذنين أن أحلبها؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلباً فاحلبها. فدعا بها، فمسح بيده ضرعها، وسمى الله ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه، ودرت واجترت. ودعا بإناء، فحلب ثجًّا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم صلى الله عليه وسلم. فهذه بعض معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم. قد نص الإمام النووي بشرحه على صحيح الإمام مسلم على أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم تزيد على ألف ومئتين. كنوز السيرة.