(6) دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. الفصل الثاني: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة. ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الأربعين من عمره، امتن الله تبارك وتعالى على الإنسانية أجمع بمبعثه صلى الله عليه وسلم هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تحدثنا عن قصة مبعثه صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ به صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، وهكذا حتى جاءه الحق، فقال: اقرأ. فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده من الخوف، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني. قالت: فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة بعد أن أخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. قالت خديجة، وهي المثبتة والتي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: كلا والله، ما يخزيك الله أبدا. وهذا الكلام من خديجة تبدأه بالنفي ثم بالقسم: والله ما يخزيك الله أبدا، وتؤكده بقولها: أبدا. كل هذا دليل على ثقة هذه المرأة بربها تبارك وتعالى، ومعرفتها الحقة بمحمد صلى الله عليه وسلم. والسبب الذي من أجله بنت هذا الكلام هو ما ذكرته بعد ذلك بقولها: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. وكأنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم. من كانت هذه صفاته لا يمكن أن يقع الخزي من الله عليه أبداً، لأن هذه الصفات صفات كمال. ثم انطلقت به حتى أتت به ورقة بن نوفل، وهو ابن عم لها، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك. عندها استبعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرجه قومه، وذلك أنه يرى أن قومه يحبونه حباً شديداً، ولا يسمونه إلا الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال: أوَمُخرجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وهذه قاعدة مهمة وأصل عظيم بنى عليه ورقة بن نوفل رأيه، وذلك أن كل الأنبياء أوذوا وعودوا، فمنهم من قُتل، ومنهم من طُرد، ومنهم من أُوذي، ومنهم من خُوِّف، وهذا كثير. قال: وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي بعد ذلك، وهذه المدة قدرها أهل العلم بستة أشهر، وقال بعضهم: إنها بلغت ثلاث سنين. وورقة بن نوفل رحمه الله يعتبر مسلماً، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين. ولكن هل كان صحابياً؟ الصحيح أنه لم يكن صحابياً، وذلك أنه لم يدرك الرسالة؛ لأنه مات بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل تبليغه صلى الله عليه وسلم. كنوز السيرة. محاولة انتحار النبي صلى الله عليه وسلم. قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. وهذه الزيادة ليست من كلام عائشة رضي الله عنها، بل هي من كلام الزهري، وهو من التابعين، ولم يدرك تلك الحادثة، ولم يذكر من حدثه بهذا من الصحابة، ولهذا قال: فيما بلغنا، وبلاغات الزهري وغيرها من قبيل الحديث المنقطع، وهو ضعيف، فلا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ثم إن القائل: فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا. وقال الكرماني: هذا هو الظاهر. قال الشيخ الألباني رحمه الله: هذا العزو للبخاري خطأ فاحش، ذلك لأنه يوهم أن قصة التردي هذه صحيحة على شرط البخاري، وليس كذلك، وإذا عرفت عدم ثبوت هذه الزيادة فلنا الحق أن نقول: إنها زيادة منكرة من حيث المعنى؛ لأنه لا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كان الدافع له على ذلك. كنوز السيرة. أنواع الوحي. أنواع الوحي ستة كما قال أهل العلم. الأول: الرؤيا الصادقة، وهي كانت مبدأ الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قالت عائشة رضي الله عنها: فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. الثاني: ما كان يلقيه الملك في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله صلى الله عليه وسلم: إن روح القدس نفث في روعي: إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. الثالث: أن يتمثل الملك رجلًا، فيخاطب النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعي عنه، كما في حديث جبريل لما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه، يذكر حديث جبريل. الرابع: أنه كان يأتيه كمثل صلصلة الجرس، وكان هذا أشده عليه، حتى إن جبين الرسول صلى الله عليه وسلم ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد. الخامس: أن يرى الملك في صورته التي خلقه الله تبارك وتعالى عليها، فيوحي إليه ما شاء، مثل ما جاءه جبريل في الغار. السادس: ما يوحيه الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مباشرة، بدون واسطة ملك، كما في معراجه صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة، وفرض الصلاة عليه هناك. كنوز السيرة. كيف وصل الشرك إلى مكة؟ كانت خزاعة هم ولاة البيت الحرام قبل قريش، وكانوا يتوارثون الولاية على البيت كابرًا عن كابر، واستمرت على ولاية البيت ثلاثمائة سنة، وقيل خمسمائة سنة، وفي زمانهم جلبت الأوثان إلى مكة على يد زعيمهم عمرو بن لحي، وكان قوله فيهم كالشرع المتبع لمكانته عندهم، وكان عمرو بن لحي هذا قد خرج إلى الشام، فرأى أهل الشام يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه الأصنام التي تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نعبدها، نستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال: ألا تعطوني منها صنمًا أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنمًا يقال له هبل، فقدم به مكة، فنصبه وأمر الناس بعبادته فأطاعوه. فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار. وقد كانت العرب على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ولكن لطول العهد نسوا كثيرًا من تفاصيل الشرع، واستمر هذا الأمر، وهو رئاسة خزاعة على البيت الحرام. حتى تزوج قصي بن كلاب من ابنة رئيس خزاعة، ثم بعد ذلك استعان بالعرب على قتال خزاعة، فهزمهم وأجلاهم عن مكة، وتسلم قصي الرئاسة، وقصي من قريش، وكان مما بقي عند العرب من العبادات التي كانت على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم الحج، فكانوا يطوفون ويسعون ويقفون في عرفات ومزدلفة ويهدون البدن، ولكنهم صاروا يقولون في تلبيتهم لما بعد العهد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، ملكته وما ملك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة من سورة الأنعام. قال تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ. قال ابن كثير رحمه الله: من ذلك ما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي، قبحه الله، مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم، وهو كاذب مفتر في ذلك، ومع هذا الجهل والضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام. قال الله تبارك وتعالى: ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حام. والبحيرة هي التي كانوا يبحرون أذنها، أي يشقونها، ويجعلون لبنها للطواغيت، ويمنعون الناس منها. وأما السائبة فهي البعير يسيب، فلا يُحبس عن رعيٍ ولا ماء، ولا يركبه أحد، ويكون للآلهة. وأما الوصيلة فهي الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى، فإن ولدت ذكراً فهي للآلهة. وأما الحام فهو الفحل إذا أنتج من ظهره عشرة تُرك فلا يُركب ولا يُمنع من رعي. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: بل قد تابعوه فيما هو أطم من ذلك وأعظم بكثير، وهو عبادة الأوثان مع الله عز وجل، وبدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم، من توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وتحريم الشرك، وغيروا شعائر الحج ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ولا ضعيف، واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من أمم المشركين. وقد اتخذت العرب مع الكعبة طواغيت تعظمها كتعظيم الكعبة، فجعلوا لها سدنة، وهم الخدم والحجاب، يُذبح لها ويطاف حولها. ومع هذا كله يعرفون فضل الكعبة، أما قريش فكانت لها العزى وهبل، وكانت اللات لثقيف، وكانت مناة للأوس والخزرج، وكان ذو الخلصة لدوس. كنوز السيرة.