(38) قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. كل ابن آدم خطاء. حاطب بن أبي بلتعة، أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقع منه خطأ كبير. كتب إلى قريش كتابًا يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم أعطاه امرأة يقال لها سارة، وجعل لها جعلًا على أن تبلغه قريشًا، فجعلته في قرون رأسها. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو خلف هذه المرأة، وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش. فانطلقوا حتى وجدوا المرأة بذلك المكان الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فأوقفوها وقالوا لها: أمعك كتاب؟ قالت: ما معي كتاب. ففتشوا رحلها فلم يجدوا شيئًا، فقال لها علي رضي الله عنه: أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك الثياب، وهذا الفعل جائز، وذلك أن الأمر إذا كان بهذه الخطورة. وعلموا يقينًا كما هو الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم، جاز لهم أن يجردوها من ملابسها إذا تحتم الأمر، وإن كانت هذه مفسدة، ولكن المفسدة التي تأتي من أخذها الكتاب أعظم. ومن القواعد الشرعية دفع أعظم المفسدتين إذا كان لا بد من الوقوع في إحداهما. فلما رأت الجدة من علي، قالت: أعرض. فأعرض، فحلت قرون رأسها وأخرجت الكتاب فدفعته إليه، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، يخبرهم بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا فقال: ما هذا يا حاطب؟ فقال: لا تعجل علي يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت وما بدلت، ولكنني كنت امرأ ملصقًا في قريش، ولست من أنفسهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي. اعتذر حاطب، قال: لي أولاد وأقارب في مكة، وأنا لست من أهل مكة، فأخشى على أولادي وقرابة الذين هم هناك، فإذا علمت قريش أني أرسلت هذا الكتاب قد لا يضرون قرابتي ولا يؤذونهم. وفي رواية: قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره، أي إن هذا الكتاب لا يقدم ولا يؤخر. عند ذلك قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله. وفي رواية قال: يا رسول الله، إن حاطبًا قد نافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فذرفت عينا عمر رضي الله عنه فقال: الله ورسوله أعلم. فحاطب بن أبي بلتعة شفع له ماضيه؛ لأنه كان ذا سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شهد بدرًا وأحدًا والخندق وغيرها من المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجر وترك الأهل والأولاد في سبيل الله، فهذه الغلطة مما غفر الله له مقابل ذلك الأمر العظيم الذي قدمه لله ورسوله. وفي قول عمر رضي الله عنه: إنه قد نافق، يقول ابن القيم رحمه الله: إن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولًا وغضبًا لله ورسوله ودينه، لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفر. وفي حاطب نزل قول الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم. تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. بيَّن الله تبارك وتعالى الحق الذي يجب أن يلتزمه المسلمون في حياتهم. كنوز السيرة. انطلاقة الجيش. تحرك جيش النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بعد عشرة أيام منه من المدينة إلى مكة شرفها الله تبارك وتعالى، وذلك في عشرة آلاف من أصحابه رضي الله عنهم. وكان من بني سليم ألف، ومن مزينة ألف، ومن غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، وطوائف كثيرة من قيس وأسد وتميم وغيرهم، والمهاجرون والأنصار من الأوس والخزرج. فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم الجحفة، لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج مسلماً مهاجراً إلى الله ورسوله، فسار مع النبي صلى الله عليه وسلم. فلما بلغ الأبواء، لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابن عمته عبد الله بن أبي أمية، أخو هند بنت أبي أمية، أم سلمة، أم المؤمنين رضي الله عنها. وعبد الله بن أبي أمية هو الذي كان مع أبي جهل حين منع أبا طالب أن يقول كلمة الإسلام، قائلين: أتترك ملة عبد المطلب؟ جاءا مسلمين، فأعرض عنهما لما كان يلقاه منهما من شدة وأذى. أما أبو سفيان، فكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم في شعره، فقالت له أم سلمة: يا رسول الله، لا يكون ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك. وذهب أبو سفيان بن الحارث إلى علي بن أبي طالب وقال له: يا علي، إني قد جئت مسلماً مهاجراً إلى الله ورسوله، فما بال رسول الله يفعل بي هكذا؟ فقال علي: أما علمت ما فعلت برسول الله؟ تهجوه وتؤذيه، فقال: فما أصنع؟ هنا تنبه علي رضي الله عنه إلى قضية مهمة، وهذا يدل على ذكائه واستحضاره، فقال له: ائتِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقل له: تالله لقد آثرك الله علينا، وإن كنا لخاطئين. أي كما قال إخوة يوسف ليوسف. فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستقبله في وجهه فقال: تالله لقد آثرك الله علينا، وإن كنا لخاطئين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال أخوه يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فقال أبو سفيان: لعمرك إني حين أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد، لك المدلج الحيران أظلم ليله، فهذا أواني حين أهدى فأهتدي، هداني هاد غير نفسي ودلني على الله من طردته كل مطرد. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد. وكان حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم قد رد على أبي سفيان حين هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله. وهذه قصيدة حسان التي رد فيها على أبي سفيان حين هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم. عدمنا خيلنا إن لم تروها، تثير النقع موعدها كداء، ينازعن الأعنة مصعدات، على أكتافها الأسل الظماء، تظل جيادنا متمطرات، تلطمهن بالخمر النساء، فإما تعرضوا عنا اعتمرنا، وكان الفتح وانكشف الغطاء، وإلا فاصبروا لجلاد يوم، يعز الله فيه من يشاء، وجبريل رسول الله فينا، وروح القدس ليس له كفاء، وقال الله قد أرسلت عبداً، يقول الحق إن نفع البلاء، شهدت به فقوموا صدقوه، وقلتم لا نقوم ولا نشاء، وقال الله قد سيرت جنداً، هم الأنصار عرضتها اللقاء، لنا في كل يوم من معد، سباب أو قتال أو هجاء، فنحكم بالقوافي من هجانا، ونضرب حين تختلط الدماء، ألا أبلغ أبا سفيان عني، مغلغلة فقد برح الخفاء، بأن سيوفنا تركتك عبداً، وعبد الدار سادتها الإماء، هجوت محمداً فأجبت عنه، وعند الله في ذاك الجزاء، أتهجوه ولست له بكفء. فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ، هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا، أَمِينَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ، أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ، فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ، لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ، وَبَحْرِي لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ. هذا شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ينافح عنه، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: والذي نفسي بيده، لكلامه أشد عليهم من وقع النبل. كنوز السيرة. ليس من البر الصيام في السفر. دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة صائمًا، حتى بلغ مكانًا يقال له الكديد، فأفطر وأفطر الناس معه. قال ابن عباس: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر. وهكذا هي السنة، أن الإنسان إذا سافر فهو مخير بين الصيام وبين الفطر، وإن كان هناك مشقة فالصيام محرم ولا يجوز. ولذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا قد اجتمع عليه الناس وقد ظلل عليه، قال: ما له؟ قالوا: رجل صائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس من البر أن تصوموا في السفر. كنوز السيرة. إسلام أبي سفيان صخر بن حرب. قال العباس: والله إني لأسير على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وكانا خرجا من مكة يتحسسان، فلقد توقع مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لم يعلما متى، فقال أبو سفيان: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا، فقال بديل: هذه والله خزاعة، خمشتها الحرب. فقال أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. فعرفت الصوت، فقلت: أبا حنظلة؟ فقال أبو سفيان: أبو الفضل؟ قلت: نعم. قال: ما لك؟ قال العباس: فداك أبي وأمي، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله. فقال أبو سفيان: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال العباس: والله لئن ظفر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربن عنقك، فإن سأل سائل: لماذا لم يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنقه في المدينة عندما قدم إليه؟ الجواب: لأنه كان رسولًا، والرسل لا تُقتل. قال: فاركب معي حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. فركب أبو سفيان، ورجع صاحبه بديل بن ورقاء. قال العباس: فجئت به، فكلما مررت على نار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته. حتى مررت بنار عمر، فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان معي قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج عمر يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركب العباس البغلة، قال: وسبقت عمر، فاقتحمت عن البغل، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عمر، فقال عمر: يا رسول الله، هذا أبو سفيان، دعني أضرب عنقه. فقلت: يا رسول الله، إني قد أجرته. ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني. فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلًا يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي ما قلت مثل هذا. فقال عمر: مهلًا يا عباس، فوالله لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب به يا عباس، أي خذ أبا سفيان، فإذا أصبحت فأتني به. فذهب به، فلما أصبح غدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه فإن في النفس منها شيئًا. فقال العباس: ويحك أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قبل أن تضرب عنقك. فأسلم أبو سفيان، وشهد شهادة الحق. قال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن. كنوز السيرة.