(52) وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر. ثم بعد ذلك خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر حين ارتفع الضحى، وهو على بغلة شهباء، والناس بين قائم وقاعد، فتكلم بما تكلم به بالأمس. قال أبو بكر: خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. وقال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس البلدة؟ قلنا: بلى. فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم ويسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم فاشهد. ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه. وفي رواية قال: ألا لا يجني جانٍ إلا على نفسه، ألا لا يجني جانٍ على ولده، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في بلدكم هذا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحقرون من أعمالكم، فسيرضى به. وأقام صلى الله عليه وسلم أيام التشريق في منى، يؤدي المناسك ويعلم الشرائع، ويذكر الله ويقيم سنن الهدى من ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ويمحو آثار الشرك ومعالمه. وقد خطب في بعض أيام التشريق أيضًا، كما أخرج أبو داود عن سراء بنت نبهان قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس، فقال: أليس أوسط أيام التشريق؟ فكانت خطبته في هذا اليوم مثل خطبته يوم النحر. وَوَقَعَتْ هَذِهِ الخُطْبَةُ عَقِبَ نُزُولِ سُورَةِ النَّصْرِ، وَهِيَ قَوْلُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ فِي ذَلِكَ المَكَانِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي يَوْمِ النَّفْرِ نَفَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مِنًى، فَنَزَلَ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ مِنَ الأَبْطَحِ، وَأَقَامَ هُنَاكَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ وَنَامَ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ طَوَافَ الوَدَاعِ، وَلَمَّا قَضَى مَنَاسِكَهُ حَثَّ الرِّكَابَ إِلَى المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ لِيَسْتَأْنِفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ. كُنُوزُ السِّيرَةِ. وَفَاةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ. لَمَّا أَتَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَعَمَّ الإِسْلَامُ الجَزِيرَةَ كُلَّهَا، وَبَدَأَ يَنْتَشِرُ خَارِجَهَا، بَدَأَتْ طَلَائِعُ تَوْدِيعِ الحَيَاةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَلِكَ فِي أُمُورٍ مِنْ أَبْرَزِهَا أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ عِشْرِينَ يَوْمًا، بَيْنَمَا كَانَ لَا يَعْتَكِفُ إِلَّا عَشْرَةَ أَيَّامٍ. تَدَارَسَهُ جِبْرِيلُ الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ يَتَدَارَسُهُ مَعَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي كُلِّ عَامٍ. وَقَالَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ: لَا أَدْرِي، لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ. وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةُ النَّصْرِ فِي أَوَاسِطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَنُعِيَتْ لَهُ فِيهَا نَفْسُهُ، كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُجْلِسُنِي مَعَ الشُّيُوخِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّكَ تُقَدِّمُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَفِي أَوْلَادِنَا مَنْ هُوَ فِي سِنِّهِ أَوْ أَكْبَرُ. فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ فَضْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لِجَمْعِهِمْ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. قَالُوا: إِنَّ اللهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَمَّ اللهُ الْفَتْحَ. أن يستغفر ربه ويتوب إليه، فالتفت عمر إلى عبد الله بن عباس فقال: وما تقول أنت؟ فقال عبد الله: لا. قال عمر: فما تقول؟ قال عبد الله: هذه نفس النبي نُعيت إليه. فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما قال عبد الله بن عباس. في صفر من السنة الحادية عشرة من الهجرة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد، فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، وكان صلى الله عليه وسلم لما دفن شهداء أحد، كما ذكرنا في أول هذه السيرة المباركة، لم يصل عليهم. وقال بعض أهل العلم: إن الصلاة عليهم هنا بمعنى الدعاء. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما صعد المنبر: إني فرطكم، وإني شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكنني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها. وخرج في ليلة ما في منتصفها إلى البقيع، وهي مقبرة المدينة، فاستغفر لأهل البقيع وقال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، لو تعلمون ما نجاكم الله منه. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى. وفي آخر شهر صفر من السنة الحادية عشرة، في يوم الاثنين، شهد الرسول صلى الله عليه وسلم جنازة في البقيع، فلما رجع أخذه صداع في رأسه، واشتدت الحرارة من فوق العصابة، واشتد به المرض. عن عبد الله بن مسعود قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فمسسته فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: أذلك لأن لك الأجر مرتين؟ قال: أجل، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة شدد عليه في البلاء. وأخرج الإمام أحمد عن أسامة بن زيد أنه قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة؛ لأنهم قد خرجوا ليغزوا الروم، وكان قد جهزهم الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما سمعوا عن مرض الرسول صلى الله عليه وسلم تثاقلوا عن الخروج ليطمئنوا على حاله. قال: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أُصمت فلا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يصوبها على وجهه، أعرف أنه يدعو لي. كنوز السيرة. اشتداد المرض. اشتد المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً ابتلاه، وأحب الناس إلى الله الأنبياء، فلذلك يشدد عليهم بالبلاء ليرفع جل وعلا من درجاتهم، وأما غير الأنبياء فإنه يشدد في البلاء على الصالحين ليكفر من سيئاتهم ولترفع كذلك درجاتهم، والمسلم لا يتمنى البلاء ولا يتمنى أن يفتن، لعله ألا يصبر، ولكنه يسأل الله تبارك وتعالى العافية، وإذا ابتلاه أن يعينه على الصبر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا. عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: إن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن. كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا. فقام العباس بن عبد المطلب، فأخذ بيد علي فقال: إني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه هذا، وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، وهذا من العباس فراسة، وهي قوة الحدس. بدأ مرض النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند زوجه ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، ولما ثقل جعل يسأل: أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ ففهمن مراده، فأذن له حيث يشاء، فانتقل إلى بيت عائشة؛ لأنها كانت أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. فانتقل إلى بيت عائشة، يمشي بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب، عاصبًا رأسه، تخط قدماه، حتى دخل بيتها، فقضى عندها آخر أسبوع من حياته صلى الله عليه وسلم. تقول عائشة: كنت أقرأ المعوذات على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنفث على نفسه، وأمسح بيده على نفسه رجاء البركة. وفي يوم الأربعاء قبل موته بخمسة أيام، زادت عليه الحرارة، واشتد به الوجع، وغمي عليه صلى الله عليه وسلم. فقال: هريقوا عليَّ سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم. وهنا هذا العدد له خصوصية، فقد جاءت فيه نصوص كثيرة، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر. ومثل قراءة الفاتحة على المصاب سبع مرات، وقال الحافظ ابن حجر عنها: وسنده صحيح. ومثل الرقية المشهورة: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر سبع مرات. ومثل حديث: من قال عند مريض لم يحضره أجله: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات، شفي من ذلك المرض. ثم أضف إلى ذلك الطواف سبعًا، والسعي سبعًا، ورمي الجمار سبعًا، وغير ذلك كثير. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: هريقوا عليَّ سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، فأقعدوه في مخضب، وصبوا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم، حسبكم. كنوز السيرة. العقيدة قبل كل شيء. ولما أحس بخفة دخل المسجد وهو معصوب الرأس حتى جلس على المنبر. وخطب الناس وهم مجتمعون حوله، قال: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وفي رواية أنه قال: قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا لا تتخذوا قبري وثنًا يُعبد. وهذا دليل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تأسيس العقيدة من أول الدعوة إلى آخرها، فالعبادة لا تتمثل فقط في السجود لغير الله تبارك وتعالى. العبادة حياة: الذبح، النذر، الطواف، السعي، الدعاء، الاستغاثة، الإخبات، الخوف، الرجاء، التقوى، التوكل، فالعبادة الحياة كلها. فيجب على المسلم أن يصرف كل العبادة لله سبحانه وتعالى. قال تعالى آمرًا رسوله: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له. والآن لا أقول مع قبر النبي صلى الله عليه وسلم، بل مع غيره ممن هم دونه بكثير، ماذا يفعل بقبورهم؟ يطاف حولها، ويذبح لهذه القبور، وتدفع الأموال لأصحابها، وتدعى من دون الله تبارك وتعالى، ويتوسل بها، ويخاف من أهلها، فأي دين هذا؟ إن العبادة لا تجوز أن تكون إلا لله. قال الله تبارك وتعالى: له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. ثم نزل صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر وقال: أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم. وقال: إن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. كنوز السيرة.