(27) حادثة الإفك

كنوز السيرة · المقطع 27 من 58

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. حادثة الإفك. الإفك عظيم الكذب والافتراء. قال الإمام الزهري رحمه الله: حدثني عروة أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه. قالت: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعدما نزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت على راحلتي، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي راحلتي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على البعير الذي كنت ركبت، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام. فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَلْتُحَاوِلْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْ تَضَعَ نَفْسَهَا أَوِ ابْنَتَهَا مَكَانَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَاةٌ صَغِيرَةٌ فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ وَحْدَهَا، فِي مَكَانٍ مُقْفِرٍ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا. تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَأَمَّمْتُ مَنْزِلَ الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي وَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، وَهَذَا مِنْ فِطْنَتِهَا وَذَكَائِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ لَصَاحَتْ وَصَارَتْ تَرْكُضُ يَمِينًا وَيَسَارًا، شَرْقًا وَغَرْبًا، تَبْحَثُ عَنْ أَهْلِهَا، وَلَكِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِكَمَالِ عَقْلِهَا جَلَسَتْ فِي مَكَانِهَا؛ لِأَنَّهَا عَلِمَتْ أَنَّهَا لَوْ خَرَجَتْ خَلْفَهُمْ سَتَضِيعُ. تَقُولُ: فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ: الْأَوَّلُ شَجَاعَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، الثَّانِي رِعَايَةُ اللَّهِ لَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَلْقَى عَلَيْهَا النَّوْمَ حَتَّى لَا تُفَكِّرَ فِي الْقَوْمِ، وَفِيمَا سَيَأْتِي إِلَيْهَا مِنْ حَيَوَانَاتٍ أَوْ أُنَاسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَتْ: وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ. فَأَدْلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، وَالْغَرِيبُ فِي هَذَا الرَّجُلِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَقَبِيلَتُهُ كُلُّهُمْ مَعْرُوفِينَ بِكَثْرَةِ النَّوْمِ، حَتَّى إِنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ زَوْجَتَهُ جَاءَتْ تَشْتَكِيهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفْوَانَ لَا يُصَلِّي الْفَجْرَ. فَنَادَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَلِكَ، لَا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. فَالْقَصْدُ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْجَيْشِ، وَلَعَلَّهُ بِسَبَبِ النَّوْمِ، وَسَارَ عَلَى طَرِيقِهِمْ، فَوَجَدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَائِمَةً فِي مَكَانِهَا. تَقُولُ عَائِشَةُ: فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ مِنْ بَعِيدٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي؛ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ نَائِمَةً كَانَ وَجْهُهَا مَكْشُوفًا. تَقُولُ: وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِالرَّاحِلَةِ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَوَصَلْنَا إِلَيْهِمْ فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ. تَقْصِدُ أَنَّ النَّاسَ تَكَلَّمُوا فِي عِرْضِهَا لَمَّا رَأَوْهَا قَادِمَةً مَعَ صَفْوَانَ لِوَحْدِهَا. فتكلم فيها من تكلم من المنافقين، حتى إنه نقل فيما نقل من كلامهم كلام عبد الله بن أبي بن سلول أنه قال: والله ما جاء إلا بعد أن فجر بها وفجرت به، والعياذ بالله، فلعنة الله عليه. قالت: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أراه منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ويقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذاك الذي يريبني، ولا أشعر بالشر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مرضت عائشة يلاطفها ويسليها، كما في الحديث المشهور، لما قالت عائشة رضي الله عنها: وارأساه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنا وارأساه، وما ضرك يا عائشة لو متِ لغسلتك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك، وهي أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما سأله عمرو بن العاص رضي الله عنه: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: ومن الرجال؟ قال: أبوها. قالت عائشة. حتى خرجت بعد ما نقهت، معي أم مصطح قبل المناصع، وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا، وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأولي بالتبرز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مصطح، وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، فأقبلت أنا وأم مصطح قبل بيتي، وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مصطح في مرطها، فقالت: تعس مصطح. فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه، أولم تسمعي ما قال؟ قالت عائشة: وما قال؟ قالت عائشة: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي. لك أختي أن تتصوري نفسك وقد اتهمت في عرضك، كيف تكون حياتك، وكيف تنعمين، وأعز ما عند المرأة عرضها، قد تتهم بكذب أو بسرقة أو بغيبة أو بربا أو بتبرج، لكن أن يصل الأمر إلى العرض، فهذا أخطر شيء تصاب به المرأة. قالت: فلما رجعت إلى بيتي، ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، سلم ثم قال. كيف تيكم؟ أي لم يتغير من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم شيء، ولكن الذي تغير أن عائشة علمت السبب. الآن عرفت لماذا تغير حال الرسول صلى الله عليه وسلم معها، فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم. قالت عائشة: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. فقلت: سبحان الله، أوقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى أصبحت أبكي. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد رضي الله عنهما، حين استلبث الوحي، يستأمرهما في فراق أهله. وهذه الفترة يذكر أنها استمرت أكثر من شهر، والناس يتكلمون في عائشة ويخوضون فيها، والوحي منقطع، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يدري حقيقة الأمر، وهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، أما علي رضي الله عنه. فَهُوَ زَوْجُ ابْنَتِهِ وَابْنُ عَمِّهِ، وَأَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ النَّسَبِ. وَأَمَّا أُسَامَةُ فَهُوَ قَدْ تَرَبَّى فِي بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنُ حِبِّهِ، فَلِذَلِكَ اسْتَشَارَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقُرْبِهِمَا مِنْ بَيْتِهِ، وَلِمَعْرِفَتِهِمَا بِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. أَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. أُسَامَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَظَرَ فِي صَالِحِ عَائِشَةَ، وَلِذَلِكَ بَرَّأَهَا، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَنَظَرَ إِلَى صَالِحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْهَمِّ الَّذِي رَكِبَهُ مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ خَادِمَةَ عَائِشَةَ، فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَوْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. أَمَّا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، فَقَدِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَهُوَ مِنَ الْأَوْسِ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، أَيْ إِنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ مِنْكَ تَصَرُّفُ الْمُنَافِقِينَ. وَهَذَا يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ إِطْلَاقُ كَلِمَةِ الْمُنَافِقِ عَلَى مَنْ تَصَرَّفَ تَصَرُّفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، أَيْ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ. وَهَذَا يُسَمَّى النِّفَاقَ الْعَمَلِيَّ، وَلَيْسَ النِّفَاقَ الِاعْتِقَادِيَّ. تَقُولُ عَائِشَةُ: فَتَسَاوَرَ الْحَيَّانِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ، الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، وَتَرَكَ أَمْرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ. قالت عائشة: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد كنت بكيت ليلتين ويوماً، يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار، فجلست تبكي معي، وهذا مما يهون على صاحب المصيبة، ولذلك قالت الخنساء لما مات أخوها صخر: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي، وما يبكين مثل أخي ولكن أعز النفس عنه بالتسلي. قالت عائشة رضي الله عنها: فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني، فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: أما بعد، يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. موقف عجيب، وابتلاء من الله تبارك وتعالى لعائشة رضي الله عنها. فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن: إني والله لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة، لتصدقني. والله ما أجد لكم مثلًا إلا قول أبي يوسف: فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله. فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنزل عليه. فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ، وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ بَرَّأَكِ. فَقَالَتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ. لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ. وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. ولَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ۝ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. فلما أنزل الله قرآنا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا. فأنزل الله جل وعلا: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى النفق، وهذا يدل على أنهم كانوا وقّافين مع كتاب الله. الدروس المستفادة من حادثة الإفك. في قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، تُتَّهَمُ عائشة في عرضها، والرسول صلى الله عليه وسلم يُتَّهَم في عرضه، ويحزن صلى الله عليه وسلم، ويبقون شهراً كاملاً، ويتكلم الناس فيها، ويفرح المنافقون بهذا، فأين الخير هنا؟ ذكر أهل العلم أموراً كثيرة ظهرت فيها الخيرية في هذه القضية، منها: أولاً: الابتلاء، حيث ابتلى الله رسوله صلى الله عليه وسلم كما ابتلى عائشة، وابتلى صفوان بن المعطل، فخرجوا من البلاء كالذهب الخالص، والابتلاء ثمراته طيبة؛ لأن فيه رفع درجات. ثانياً: تنقية الصفوف، فلو لم تحدث هذه الحادثة لما تميز المؤمنون من المنافقين، فمثل هذه الحوادث يُظهر فيها المنافقون رؤوسهم، ويتكلمون، ويظهرون تبجحهم وهزأهم وسخريتهم بالمؤمنين. ثالثاً: فضل عائشة رضي الله عنها، ومحبة الله لها. حيث أنزل فيها قرآناً يُتلى. رابعاً: مدافعة الله تبارك وتعالى عن عباده المؤمنين، ولذلك قال في الحديث القدسي: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. فظهر من هذه القصة أن عائشة رضي الله عنها من أولياء الله تبارك وتعالى، فلذلك دافع الله عنها سبحانه وتعالى. وهذا يعطي الولي التقي اطمئناناً أن الله سبحانه وتعالى سيدافع عنه. ولذلك قالت عائشة: فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون. فلجأت إلى الله، فما خيبها ربها سبحانه وتعالى. خامساً: إظهار حكم شرعي في قوله جل وعلا: لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء، فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون. وما كان سيظهر هذا الحكم لولا أن وقعت هذه الحادثة، فإذا حدثت حوادث أخرى فإننا سنعرف كيف نتعامل معها. سادساً: وضع القواعد العامة لمثل هذه القضايا، مثل أن الأصل في المسلم العدالة، والأصل فيه أنه بريء حتى تثبت التهمة. فهذه القواعد العامة ما كنا لنعرفها لولا أن وقعت هذه الحادثة. سابعاً: فضح المنافقين وتعريتهم أمام المؤمنين. ثامناً: فضل صفوان بن المعطل رضي الله عنه. وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى دَافَعٌ عَنْهُ، كَمَا دَافَعَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. تاسعًا: بيان حكم القذف. وهنا مسائل ذكرها ابن القيم رحمه الله، وهي عبارة عن فوائد طيبة جدًا ذكرها في كتابه زاد المعاد، نذكرها لعل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بها. أولًا: فإن قيل: فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها، وسأل عنها وبحث واستشار، وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده وبما يليق به؟ وهلّا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، كما قاله فضلاء الصحابة؟ والجواب: أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جُعلت هذه القصة سببًا لها، وامتحانًا وابتلاءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بهذه القصة أقوامًا ويضع بها آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا هدىً وإيمانًا، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا. واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حُبس الوحي عن الرسول صلى الله عليه وسلم شهرًا في شأنها، لا يوحى إليه في ذلك شيء، لتتم حكمته التي قدرها وقضاها، وتظهر على أكمل الوجوه، ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانًا وثباتًا على العدل والصدق، وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته، والصديقين من عباده. ويزداد المنافقون إفكًا ونفاقًا، ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها، لما قالت: أشكو بثي وحزني إلى الله، والافتقار إلى الله والذل إليه، وحسن الظن به والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق. ولهذا وفَّت هذا المقام حقه، لما قال لها أبواها: قومي إليه، وقد أنزل الله عليه براءتها، فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي. وأيضًا، فكان من حكمة حبس الوحي شهرًا أن القضية مُحصت وتمحصت، واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحي الله إلى رسوله فيها، وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع، فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، والصديق وأهله، وأصحابه والمؤمنون، فورد الوحي عليهم ورود الغيث على الأرض أحوج ما كانت إليه، فوقع منهم أعظم موقع وألطفه، وسروا به أتم السرور، وحصل لهم غاية الهناء بهذا الوحي، فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة، وأنزل الوحي على الفور بذلك، لفاتت هذه الحكم وأضعافها، بل أضعاف أضعافها. ثانياً: إن الله سبحانه أحب أن يُظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده، وكرامتهم عليه، وأن يخرج رسوله عن هذه القضية، ويتولى هو بنفسه جل وعلا الدفاع والمنافحة عنه، والرد على أعدائه وذمهم وعيبهم، وبأمر لا يكون له فيه عمل، أي ليس الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يدافع عن زوجه، بل الله يدافع عن رسوله وعن أهل بيته، ولا يُنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بل يكون هو وحده، أي الله جل وعلا، المتولي لذلك، الثائر لرسوله وأهل بيته. ثالثاً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقصود بالأذى، والتي رميت زوجته، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه، فهذا لا يكفي، أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها، ولا يظن بها سوءاً قط، وحاشاه وحاشاها، ولذلك لما استعذر من أهل الإفك قال: من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت في أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فكان عنده صلى الله عليه وسلم من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين، ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه، وحسن ظنه بربه وثقته به، وفى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه، حتى جاءه الوحي بما أقر عينه وسر قلبه وعظم قدره. وَظَهَرَ لِأُمَّتِهِ احْتِفَالُ رَبِّهِ بِهِ وَاعْتِنَاؤُهُ بِشَأْنِهِ. رابعًا: من تأمل قول الصديقة لما قال لها أبواها: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله. من نظر إلى قولها ذلك وتأمله، علم معرفتها وقوة إيمانها، وتوليتها لربها وإفراده بالحمد في ذلك المقام، وتجريدها التوحيد، وقوة جأشها، وإدلالها ببراءة ساحتها، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له، وثقتها بمحبة رسول الله لها. قالت ما قالت إدلالًا لحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال، فوضعته موضعه. والله ما كان أحبها إليه حين قالت: لا أحمد إلا الله، فإنه هو الذي أنزل براءتي، ولله ذلك الثبات والرزانة منها، وهو أحب شيء إليها ولا صبر لها عنه، وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرًا، ثم صادفت منه الرضا والإقبال، فلم تبادر إلى القيام إليه والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له، وهذا غاية الثبات والقوة. كنوز السيرة.