(30) بيعة الرضوان

كنوز السيرة · المقطع 30 من 58

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. عسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفع النبي صلى الله عليه وسلم أبا بصير إلى الرجلين؛ لأنه لا يغدر صلى الله عليه وسلم. فخرجا بأبي بصير حتى بلغوا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك يا فلان لا يخيب. فاستله وقال: أجل، والله إنه كذلك، لقد جربت به ثم جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه، فضربه به حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا. فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير ومعه السيف، فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك. قد ردتني عليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مسعر حرب. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج من المدينة حتى أتى سيف البحر، وانفلت أبو جندل مرة ثانية، فذهب إلى أبي بصير عند سيف البحر، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم، من أتاه فهو آمن، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم موافقته. قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ. فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا. يقول الله تبارك وتعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ، أي كف القتال بالصلح الذي كان بينهم من بعد أن أظفركم عليهم، أي كان الله تبارك وتعالى سيظفر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة كما أظفرهم الله في الخندق وفي بدر. قال: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، أي أهل مكة، وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمَّا هَدْيَ الْنَبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ مَعَهُ مُعْتَمِرِينَ، وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، أي منعوا الهدي أن يبلغ محله وأن ينحر عند البيت. يقول: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُوهُمْ. أي الضعفاء، كأبي جندل وأبي بصير وغيرهم من المؤمنين الذين كانوا في مكة ولا يستطيعون الهجرة. يقول: لم تعلموهم أن تطئوهم، أي قد تقتلون من المؤمنين وأنتم لا تعلمون. يقول: فتصيبكم منهم معرة بغير علم، أي تعيرون بعد ذلك بهذا. ويقال: قتلتم أصحابكم، وقتلتم المؤمنين بغير علم منكم أن هؤلاء من المؤمنين. قال: ليدخل الله في رحمته من يشاء، أي من عباده. قال: لو تزيلوا، أي لو انفصل المؤمنون الذين في مكة عن الكافرين، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا، أي السبب في عدم تعذيب الله لأهل مكة هو وجود الضعفاء من المؤمنين داخل مكة. قال: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية، وذلك في قولهم: إنه من خرج من عندنا مؤمنًا تعيده لنا مرة ثانية. قال: فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، وكان الله بكل شيء عليمًا. كنوز السيرة. أحداث في الحديبية. الحادثة الأولى. حادثة كعب بن عجرة رضي الله عنه، قال: وقف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، ورأسي يتهافت منه قمل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيؤذيك هوامك؟ وكان محرماً. قلت: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاحلق رأسك. وقال: وفيَّ نزلت هذه الآية: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفراق بين ستة، أو انسك بما تيسر. الحادثة الثانية: مسألة عقدية، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أنه قال. صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس وقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب؛ لأنه نسب إنزال المطر إلى شيء ليس بسبب أصلا، وهو الكوكب، فالأمر كله لله. ويفرق أهل العلم بين مطرنا بنوء كذا أو مطرنا في نوء كذا، فإذا قال: مطرنا بنوء كذا، بالباء السببية، فهذا هو الشرك والعياذ بالله. وأما إذا قال: مطرنا في نوء كذا، فهذا ليس بشرك إن كان يقصد أنه مطرنا في نوء كذا، في الظرفية، أي في الوقت الذي كان فيه النجم الفلاني في المكان الفلاني نزل المطر، فهذا لا بأس به. فهنا ثلاثة أحوال: أولا: إذا اعتقد أن النجم هو الذي أنزل المطر، فهذا شرك أكبر. ثانيا: إذا اعتقد أن النجم سبب في نزول المطر، فهذا شرك أصغر. لأن السبب إما أن يكون شرعياً أو طبيعياً، وهو هنا ليس كذلك. ثالثاً: إذا اعتقد أن المطر نزل في الوقت الذي كان فيه النجم في هذا المكان، فهذا جائز لا بأس به. الحادثة الثالثة: قال أبو المليح: قد رأيتنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وأصابتنا سماء لم تبل أسافل نعالنا، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا في رحالكم، فمن سنة الصلاة إذا نزل المطر أن المنادي ينادي: الصلاة في الرحال، أي البيوت، وذلك بدل قوله: حي على الصلاة. الحادثة الرابعة: وقعت آيات للنبي صلى الله عليه وسلم، فمنها ما ذكرناه من وضع السهم، وكذلك ما ذكره الإمام البخاري في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما في ركوتك. قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم كأمثال العيون. قال جابر: فشربنا وتوضأنا، فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مئة، يعني ألفًا وخمسمئة. كنوز السيرة. بيعة الرضوان. مر بنا أن قريشًا قبيل صلح الحديبية أرسلوا للنبي صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود، ثم أرسلوا زعيم الأحابيش، ثم جاء سهيل بن عمرو، وخلال هذه اللقاءات كان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك قد أرسل إليهم رسولًا، إذ دعا الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأتِ لحرب، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته. فخرج عثمان رضي الله عنه إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم انطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أدب رفيع ومحبة عظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فعثمان بن عفان كغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كله شوق إلى الطواف ببيت الله العظيم، ولكنهم امتنعوا عن الطواف لا رغبةً عنه، ولكنه الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين إشاعة أن عثمان قد قُتل، وهذا الأمر وارد؛ لأن بينهم قتال بدر وأحد والخندق، والرسول قد جاء بعدد كبير، وقريش مستعدون للقتال، وهم لا يتقون الله تبارك وتعالى، فلا يستبعد أن يقع من أمثال هؤلاء الجرأة على قتل عثمان رضي الله عنه. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قُتل: لا نبرح حتى نناجز القوم. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، وكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت. وقال جابر رضي الله عنه: لم يبايعنا رسول الله على الموت، ولكن بايعنا على ألا نفر. بعض الصحابة ذكر أن هذه البيعة كانت بيعةً للموت في سبيل الله، وبعضهم ذكر أنه بايعهم على أن لا يفروا، وهما متلازمان؛ لأن من لا يفر متعرض للموت. فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا رجل واحد، وهو جد بن قيس أخو بني سلمة. ولقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر. وصاحب الجمل الأحمر هو الجد بن قيس. وبايع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في هذا اليوم العظيم، وبايع عن عثمان بيده صلى الله عليه وسلم، وقال: وهذه لعثمان، فبايع عنه. وكانت يده لعثمان أكرم من يد عثمان لنفسه. وكان بعد ذلك صلح الحديبية، ورجع عثمان. كنوز السيرة.