(37) فتح مكة
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. غزوة ذات السلاسل سنة ثمان للهجرة. أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤدب بعض قبائل العرب التي شاركت الروم في قتالهم للمسلمين، فعقد النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص لواءً أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرسًا، وأمره بأن يستعين بمن مر به من قبائل بلى وعذرة وبلقين، وهي قبائل عربية على الطريق، فسار الليل وكمن النهار، فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعًا كثيرًا، فبعث رافع بن مكيث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة في مائتين، وعقد له اللواء، وبعث معه أبا بكر وعمر، وأمرهم أن يلحقوا بعمرو بن العاص، وأن يكونوا جميعًا ولا يختلفوا، فلما لحق أبو عبيدة بعمرو بن العاص اختلفا في الإمامة، فقال عمرو: أنا القائد، وأنت جئت مددًا، فقال أبو عبيدة: كما تقول، لئن عصيتني لأطيعنك، فكان عمرو بن العاص هو القائد، فدخل عمرو بلاد قضاعة. فَدَوَّخَهَا حَتَّى أَتَى أَقْصَى بِلَادِهِمْ، وَلَقِيَ جَمْعًا فَقَامَ عَلَيْهِمْ بِالسِّلَاحِ، فَتَفَرَّقُوا وَرَجَعُوا بِدُونِ قِتَالٍ، فَوَضَعُوا شَيْئًا مِنَ الْهَيْبَةِ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ. كنوز السيرة. التيمم بسبب البرد. قال عمرو: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وإني سمعت الله تعالى يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، فضحك الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا. كنوز السيرة. معزى حملت حتفها. وفد على النبي صلى الله عليه وسلم الحارث بن حسان البكري، قال الحارث: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي، والي البصرة، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله حاجة. فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال: فجلست، فدخل منزله، أو قال: رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم، وكانت الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء، وفي رواية: واجعل الدهناء لنا. فحميت العجوز واستوفزت، وقالت: يا رسول الله، أين يضطر مضرك؟ يعني أنت من مضر، وتميم من مضر، وهذا بكري من ربيعة، فكيف تكون معه ضد مضر؟ فقال البكري: إن مثلي ومثلك مثل ما قال الأول: معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما. قال: أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قال: وما وافد عاد؟ فقال: إن عادًا قحطوا، فبعثوا وافدًا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة، وقال: اللهم إنك تعلم لم آتِ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسقِ عادًا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود، فنودي منها: اختر. فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذها رمادًا رمدًا، لا تبقي من عاد أحدًا. قال: فما بلغني أنه أرسل إليهم من الريح إلا بقدر ما يجري بخاتمي هذا حتى هلكوا. أي إن هذا الرجل بدل من أن يطلب لهم المطر طلب لهم العذاب وهو لا يشعر. كنوز السيرة. فتح مكة سنة ثمان للهجرة. قال ابن القيم رحمه الله عن فتح مكة: هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدىً للعالمين من أيدي الكفار المشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء. وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجًا. هذا هو فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وكان سبب ذلك الفتح أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عقد صلح الحديبية مع كفار مكة، وكان من شروط ذلك الصلح أنه من أراد من قبائل العرب أن يدخل في حلف وعهد النبي صلى الله عليه وسلم دخل، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش وعهدها دخل، فدخلت بنو بكر مع قريش في عهدها، ودخلت خزاعة مع النبي صلى الله عليه وسلم في عهده، وكان بين خزاعة وبني بكر ثأر في الجاهلية قبل أن يدخلوا في ذلك الحلف. وقصته أن رجلًا يقال له مالك بن عباد، وكان حليفًا لآل الأسود بن رزين من بني بكر، خرج فلما توسط أرض خزاعة عدا عليه أهل خزاعة فقتلوه، وأخذوا ماله، وذلك قبل الإسلام بمدة. عند ذلك عدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، فقامت خزاعة وعدت على ثلاثة من بني بكر فقتلوهم، فلما جاء الإسلام حجر بين الفريقين، وانشغلوا به عن أنفسهم وثأرهم، ولكن بني بكر ما زال لهم ثأر عند خزاعة، فلما تم الصلح ودخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبنو بكر في عهد قريش، اغتنمت بنو بكر فرصة أن خزاعة آمنة منهم، وأرادوا أن يصيبوا ثأرهم القديم. فَخَرَجَ نوفل بن معاوية الديلي في جماعةٍ من بني بكر، وذلك في شهر شعبان من السنة الثامنة من الهجرة، فأغاروا على خزاعة ليلًا، وكان لخزاعة ماءٌ يقال له الوطير، فأصابوا منهم رجالًا، وتناوشوا واقتتلوا، فقامت قريش وأعانت بني بكر بالسلاح، وقاتل رجالٌ من قريش كذلك في ظلمة الليل مع بني بكر ضد خزاعة، حتى اضطروا خزاعة إلى الحرم، وذلك أن خزاعة ما كانت متأهبةً لحرب، فلما انتهوا لهذا المكان الحرام، قالت بنو بكر لقائدهم: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك، أي يحرم عليك أن تقاتلهم في الحرم. فقال نوفل، قبحه الله: لا إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟ فدخلت خزاعة إلى مكة، ولجأوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، وإلى دار مولى لهم يقال له رافع، وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد قال: يا رب إني ناشد محمدًا، حلف أبينا وأبيه الأتلدا، قد كنتم ولدًا وكنا والدًا، ثمت أسلمنا ولم ننزع يدًا. فَانْصُرْ هَداكَ اللهُ نَصْرًا أَيَّدَا، وَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا. فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا، أَبْيَضُ مِثْلُ الْبَدْرِ يَسْمُو صُعُودَا. إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا، فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا. إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا، وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا. وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءَ رَصَدَا، وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا. وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا، هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا. وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا. عِنْدَهَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نُصِرْتَ يَا عَمْرُ بْنَ سَالِمٍ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي إِسْنَادِهَا ضَعْفٌ، وَلَكِنَّ أَهْلَ السِّيَرِ اتَّفَقُوا عَلَى ذِكْرِهَا، وَلَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ فِي السِّيرَةِ يُوجَدُ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ السِّيرَةَ مِمَّا يُتَسَامَحُ فِيهِ، بِشَرْطِ أَلَّا يُبْنَى عَلَيْهِ أَحْكَامٌ وَلَا اعْتِقَادَاتٌ. أَحَسَّتْ قُرَيْشٌ بِسُوءِ فِعْلِهَا وَبِغَدْرِهَا، فَاضْطُرَّتْ أَنْ تَبْعَثَ أَبَا سُفْيَانَ قَائِدَهَا مُمَثِّلًا لَهَا، لِيَقُومَ بِتَجْدِيدِ الْعَقْدِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ لِيُعِيدَ لِلْعَقْدِ الْمُهْدَرِ حُرْمَتَهُ. كنوز السيرة. موقف إيماني. قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية، أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ أي هل أبعدت الفراش إكرامًا لي أم أبعدتيه إكرامًا للفراش عني؟ فقالت: بل هو فراش الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس. فقال: والله لقد أصابك بعدي شر. وهذه القصة إسنادها ضعيف، ولكن لا يبعد أن تكون قد وقعت. ثم خرج أبو سفيان من عند ابنته حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه شيئًا. فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. ثم جاء أبو سفيان ودخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة، فقال: يا علي، إنك أمس الناس بي رحمًا، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبًا، اشفع لي إلى محمد. فقال علي: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. وهذا من أدب علي رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتفت أبو سفيان إلى فاطمة وقال: هل لك أن تأمر ابنك هذا، أي الحسن رضي الله عنه، فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت: والله ما يبلغ ابني ذلك أن يجير بين الناس. ثم تأتي الكلمة الطيبة التي قالتها فاطمة رضي الله عنها: وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما يئس أبو سفيان قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت علي، فانصحني. فقال علي: والله ما أعلم لك شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال: أوترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظن، ولكنني لا أجد غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره وانطلق. ولما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته، فوالله ما رد علي شيئًا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت عمر بن الخطاب فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عليًا فوجدته ألين القوم. قد أشار علي شيئًا فصنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئًا أم لا. قالوا: وبِمَ أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت. فقالوا: هل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلك، إن زاد الرجل أن لعب بك. قال: لا والله ما وجدت غير هذا. عند ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة صلى الله عليه وسلم، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها. كنوز السيرة.