(10) إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما. جاء نصر من الله تبارك وتعالى بإسلام رجلين، أما الأول فهو حمزة، عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب. وسبب إسلامه أن أبا جهل عدو الله مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الصفا، فآذاه وسبه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يكلمه. ثم قام أبو جهل فحمل حجراً فضرب به رأس النبي صلى الله عليه وسلم فشجه حتى نزف منه الدم، ثم انصرف عنه إلى نادي قريش فجلس معهم، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان رأت ذلك، فلما أقبل حمزة من القنص متوشحاً قوسه، جاءته هذه الأمة فأخبرته بما رأت وبما فعل أبو جهل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فغضب حمزة رضي الله عنه، وكان رجلاً شديداً في عنفوان شبابه، ومن أشجع قريش في ذلك الوقت، ومحمد بن أخيه، فخرج يسعى حتى جاء أبا جهل، فلما دخل قام على رأسه وقال له. تشتم ابن أخي وأنا على دينه، ثم سبه وضربه بالقوس، فشج وجهه شجة منكرة، فثار رجال من بني مخزوم قوم أبي جهل، وثار رجال من بني هاشم لحمزة، حتى كادت أن تكون معركة بين الحيين، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًّا قبيحًا. قال حمزة رضي الله عنه: فلما خرجت فكرت في الأمر، فقلت: كيف قلت أنا على دينه وأنا لم أسلم بعد؟ فما هو إلا أن شرح الله تبارك وتعالى صدره للإسلام، فذهب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، إني قلت كذا وكذا، فماذا أصنع؟ فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرح الله صدره للإسلام، فشرح الله جل وعلا صدره وأسلم، وكان إسلامه نصرًا للمؤمنين. والنصر الثاني عمر بن الخطاب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب، وكان أحبهما إليه عمر. وقصة إسلامه فيها أكثر من رواية، ولكن أقرب الروايات إلى الصحة هي أن عمر رضي الله عنه قال: خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم. فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ وأنا أستمع وأعجب من تأليفه، فقلت في نفسي: هذا والله شاعر كما قالت قريش. فقرأ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ. فقلت في نفسي: كاهن، فقرأ: وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فوقع الإسلام في قلبي، ولما أسلم عمر جاء إلى رجل يقال له جميل بن معمر، وهذا الرجل نقالة للحديث لا يحفظ سرًا، فقال له: أريد أن أخبرك شيئًا. قال: وما هو؟ فقال له: أسلمت. فقام هذا الرجل فنادى بأعلى صوته: إن ابن الخطاب قد صبا، إن ابن الخطاب قد صبا. وعمر بن الخطاب يجري خلفه ويقول: كذب، ولكنني أسلمت. فقاموا إلى عمر رضي الله عنه، فصاروا يضربونه وهو يضربهم، وهكذا حتى ارتفعت الشمس. وذكرت بعض الروايات أنهم ضربوه حتى سقط مغشيًا عليه من شدة ضربهم. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، وقال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. كنوز السيرة. شهادة الأعداء. دخل الأخنس بن شريق على أبي جهل فقال له: إني سائلك فصدقني، وليس هاهنا أحد يسمعنا. قال: سل عما بدا لك. فقال: هل محمد صادق أم كاذب؟ قال أبو جهل: ويحك، والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي بالسقاية والرفادة والنبوة، فما يكون لسائر قريش؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وأعطوا فأعطينا، وحملوا فحملنا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي، فأنى يدرك هذا؟ لا والله لا نصدقه أبداً. والأمر كما قيل: الفخر ما شهدت به الأعداء. كنوز السيرة. عتبة بن ربيعة يحاول مع النبي صلى الله عليه وسلم. كان عتبة بن ربيعة في نادي قريش. ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في المسجد وحده، فقال عتبة: يا معشرَ قريش، ألا أقومُ إلى محمدٍ وأكلمه، وأعرضُ عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه إياها شاء ويكف عنا؟ فقالوا له: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة، فجلس إليه فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا، فانظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا الوليد، قل أسمع. قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد شرفًا، سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. فصار يتكلم والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم. فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاسْمَعْ أَنْتَ مِنِّي. قَالَ: أَفْعَلْ. فَقَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ. فَلَمَّا وَصَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَوْضِعِ السَّجْدَةِ فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ. سَجَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ، فَأَنْتَ وَذَاكَ. فما تكلم صلى الله عليه وسلم من كلام البشر أبداً، وإنما قرأ عليه كلام رب البشر سبحانه وتعالى. وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، قام عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أنشدك الله والرحم، يعني لا تفعل، لا تدع الله علينا أن يأتينا بصاعقة. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض وهم يرونه قادماً: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: إني سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها في، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي، فاصنعوا ما بدا لكم. كنوز السيرة. المقاطعة. بعد أن خرج عتبة بن ربيعة من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما قال، رأت قريش أنه لا بد من حل لهذه المشكلة التي وقعت لهم، فرأوا أن تكون المقاطعة التامة لبني هاشم، فاجتمعوا وتحالفوا على بني هاشم، واتفقوا على ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يكلموهم، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق: ألا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلموا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتلوه. وتم هذا الميثاق، وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز المسلمون وبنو هاشم، مؤمنهم وكافرهم، وبنو المطلب، مؤمنهم وكافرهم، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، عدا أبي لهب، عم النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض بني المطلب. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى شعب يقال له شعب أبي طالب، واستمرت هذه المقاطعة ثلاثة أعوام، واشتد الحصار على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه حتى بلغهم الجهد، وألجئوا إلى أكل الأوراق والجلود. والغريب في هذه المقاطعة أن كفار بني هاشم وكفار بني المطلب خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يبين لنا أن الحمية العربية كانت قوية ومؤثرة. ولو قال قائل: خرج بنو هاشم مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم من أبناء عمومته، فما بال بني المطلب؟ ولم لم يخرج بنو عبد شمس وبنو نوفل، مع أن عبد شمس ونوفل وهاشم والمطلب كل هؤلاء إخوة، أبوهم عبد مناف؟ والجواب أن بني المطلب وبني هاشم علاقتهما مع بعضهما أقوى من علاقة بني هاشم مع بني عبد شمس أو بني نوفل، وكذلك من علاقة بني المطلب مع عبد شمس أو نوفل، وهذا من قديم. فعن جبير بن مطعم قال: لما كان يوم خيبر وضع النبي صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب، وترك بني نوفل وبني عبد شمس، فأتيت أنا وعثمان بن عفان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم بالموضع الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وقرابتنا واحدة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نفترق في جاهلية ولا إسلام. إنما نحن وهم شيء واحد، وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. وكانت العرب في الجاهلية قبل الإسلام، بل وقبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون عن هاشم والمطلب: البدران، ويقولون عن عبد شمس ونوفل: الأبهران. وكان أبو طالب خلال هذه السنوات الثلاث يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم من الاغتيال، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام تركه أبو طالب فترة، ثم أيقظه وغير مكانه لينام غيره مكانه. كنوز السيرة.