(57) صفاته وأخلاقه صلى الله عليه وسلم

كنوز السيرة · المقطع 57 من 58

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. صفته الخلقية صلى الله عليه وسلم. عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليها يوماً مسروراً، وآثار وجهه تبرق. عن امرأة من همدان قالت: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيته على بعير له يطوف في الكعبة بيده محجن. قال أبو إسحاق السبيعي: شبهيه. قالت: القمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله. وعن الربيع بنت معوذ، قيل لها: صفي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: لو رأيته قلت: الشمس طالعة. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة من القوم، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق ولا آدم، وليس بجعد قطط ولا بالسبط، بعث على رأس أربعين سنة، وتوفي وهو ابن ستين سنة، وليس في رأسه ولا لحيته عشرون شعرة بيضاء، والصحيح أنه توفي عن ثلاث وستين سنة. وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ضليع الفم، أشكل العينين، منهوس العقبين. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد سئل عن شعر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كان لا سبط ولا جعد، بين أذنيه وعاتقه. وقال كذلك: كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب منكبيه. وفي رواية: أنه كان إلى أنصاف أذنيه. عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعًا، بعيد ما بين المنكبين، يبلغ شعره شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء، ما رأيت شيئًا أحسن منه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما مسست بيدي ديباجًا ولا حريرًا، ولا شيئًا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قط أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم. لما قيل لأم معبد: صفي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه فجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل. وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن، ربعة لا يائس من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، وإن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محمود محشود، لا عابس ولا مفند. وهنا يأتي حديث: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، فرؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام لا يترتب عليها شيء من الأحكام إلا أن المسلم يفرح بذلك. قال الإمام أحمد: رؤية المؤمن تسره ولا تغره، ولكن الذي يجب أن نتنبه إليه ألا وهو قوله: فإن الشيطان لا يتمثل بي، أي بصفته المعروفة، فلا يمكن لأحد أن يجزم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرف صفته الخلقية صلى الله عليه وسلم. كنوز السيرة. أخلاقه صلى الله عليه وسلم. قال القاضي عياض رحمه الله: إذا كانت خصال الكمال والجلال، ورأينا الواحد منا يتشرف بواحدة منها أو اثنتين إن اتفقت له في كل عصر، إما من نسب أو جمال، أو قوة أو علم أو حلم، أو شجاعة أو سماحة، حتى يعظم قدره، ويضرب باسمه الأمثال، ويتقرر له بالوصف بذلك في القلوب أثرة وعظمة، وهو منذ عصور خوال رمم بوال، فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال، إلى ما لا يأخذه عد ولا يعبر عنه مقال، ولا ينال بكسب ولا حيلة، إلا بتخصيص الكبير المتعال، من فضيلة النبوة والرسالة، والخلة والمحبة والاصطفاء. كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان خلقه القرآن، وقال جل وعلا عنه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وقال صلى الله عليه وسلم: بُعثت لأتمم صالح الأخلاق. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنهم خلقا. وهذا عبد الله بن سلام رضي الله عنه يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. جئته لأنظر إليه، فلما استبنت وجهه، عرفت بأن وجهه ليس بوجه كذاب. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإذا كان إثماً كان أبعد الناس منه. ومن انتقم لنفسه إلا أن تُنتهك محارم الله فينتقم لله بها. وقالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئاً قط، لا امرأةً ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك من محارم الله فينتقم منه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خدمته صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فوالله ما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لي: فيما فعلته، لِمَ فعلت هذا؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟ وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأشجع الناس. وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، وأنه كان يقول: خياركم أحسنكم أخلاقاً. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم... أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه. وعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذًا شديدًا، حتى نظرت إلى صفحة عاتقه قد أثرت به حاشية البرد، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك. قال: فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فضحك، ثم أمر له بعطاء. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع، وإن استقبله بوجهه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف، ولم يُرَ مقدمًا ركبته بين يدي جليس له. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لهوات، إنما كان يتبسم. وقال سماك: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كثيرًا. كان لا يقوم من مصلاه حتى تطلع الشمس، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لم يُسأل النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في بيته يخصف نعله ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته، فهذه بعض أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه. كنوز السيرة. عبادته صلى الله عليه وسلم. عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل: يا رسول الله، أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان لا تشاء تراه من الليل قائمًا إلا رأيته، ولا تشاء تراه نائمًا إلا رأيته. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح يقرأ هذه الآية: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وقال صلى الله عليه وسلم: إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة. وفي رواية: وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة. كنوز السيرة. جوده وكرمه صلى الله عليه وسلم. حدِّث عن البحر ولا حرج. قال جابر رضي الله عنه: ما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فقال: لا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير. وعن أنس رضي الله عنه قال: إن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى بلده وقال: أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة. وأعطى مئة من الإبل لأكثر من واحد. وقد قالت خديجة رضي الله عنها تصفه: إنك تحمل الكل، وتكسب المعدوم. ورد على هوازن سباياها، وكانوا ستة آلاف، وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله. ما قال لا قط إلا في تشهده، لولا التشهد كانت لاؤه نعم. كنوز السيرة. شجاعته وهيبته صلى الله عليه وسلم. عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: إني لأضرب غلامًا لي إذ سمعت صوتًا من خلفي: اعلم أبا مسعود. قال: فجعلت لا ألتفت إليه من الغضب حتى غشيني، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته وقع السوط من يدي من هيبته، فقال لي: والله لله أقدر عليك منك على هذا. فقلت: يا رسول الله، لا أضرب غلامًا لي أبدًا. وعن البراء رضي الله عنه قال: كان إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، فقد ثبت صلى الله عليه وسلم يوم أحد ويوم حنين، كما مر ذكر ذلك في غزواته. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل الناس وجهًا، وأجودهم كفًا، وأشجعهم قلبًا، وخرج يومًا وقد فزع أهل المدينة. فَرَكِبَ فرسًا لأبي طلحة عُرْيًا، ثم رجع وهو يقول: لن تُراعوا، لن تُراعوا. كنوز السيرة. حلمه صلى الله عليه وسلم. لما أُوذي من أهل مكة، قيل له: لو دعوت عليهم. قال: إني لم أُبعث لعانًا، وإنما بُعثت رحمة. قال القاضي عياض رحمه الله: انظر في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان، وحسن الخلق وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم ورحمهم، ودعا وشفع لهم صلى الله عليه وسلم. ولما جاءه غورث بن الحارث ليفتك به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم تحت الشجرة وحده، فلم ينتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلا وغورث معه السيف صلتًا، يقول لنبي الله صلى الله عليه وسلم: من يمنعك مني؟ فقال صلى الله عليه وسلم: الله. فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. فتركه صلى الله عليه وسلم وعفا عنه، فرجع الرجل إلى قومه فقال. جئتكم من عند خير الناس، وجيء إليه برجل فقيل: هذا أراد أن يقتلك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لم ترع، لم ترع، ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي. ولما جاءه أبو سفيان بن الحارث، وكان قد أغضب النبي صلى الله عليه وسلم لما هجاه، فقال أبو سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم: تالله لقد آثرك الله علينا، وإن كنا لخاطئين. فقال له صلى الله عليه وسلم: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. وشهد له أبو سفيان بن حرب لما قال له: ما أحلمك وأوصلك وأكرمك. كنوز السيرة.