(34) عمرة القضاء
نص الحلقة
بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. سمحًا إذا اشترى. وفي هذه الغزوة روى لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قصة أخرى، فقال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله، أبطأ بي جملي هذا. قال: آنخه. قال: فأنخته، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع عصًا من شجرة. قال: ففعلت، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات، ثم قال: اركب. قال: فركبت، فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة. قال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قال: بل أهبه لك. قال: لا، ولكن بعنيه. قال: قلت: فسمنيه. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِدِرْهَمٍ. قَالَ جَابِرٌ: لَا، إِذًا تَغْبِنُنِي يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَبِدِرْهَمَيْنِ. قَالَ: قُلْتُ لَا. فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ لِي حَتَّى بَلَغَ أُوقِيَّةً، فَقُلْتُ: قَدْ رَضِيتُ، هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَخَذْتُهُ. قَالَ جَابِرٌ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا جَابِرُ، هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: أَثَيِّبًا أَمْ بِكْرًا؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا. قَالَ: أَفَلَا جَارِيَةٌ تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ وَهَذَا يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِكْرًا إِنْ تَيَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ بَنَاتٍ لِي سَبْعًا، فَنَكَحْتُ امْرَأَةً جَامِعَةً تَجْمَعُ رُؤُوسَهُنَّ فَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، وَهَذَا مِنَ الْإِيثَارِ؛ لِأَنَّهُ آثَرَ أَخَوَاتِهِ عَلَى نَفْسِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَصَبْتَ إِنْ شَاءَ اللهُ، أَمَا إِنْ لَوْ جِئْنَا صِرَارًا أَمَرْنَا بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَسَمِعَتْ بِنَا فَنَفَضَتْ نَمَارِقَهَا. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا نَمَارِقُ. قال: إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملاً كيساً. فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا، فحدثت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فدونك فسمع وطاعة. فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلست في المسجد قريباً منه، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل، فقال: ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله، هذا جمل جاء به جابر. قال: فأين جابر؟ فدعيت له، فقال لي: يا ابن أخي، خذ برأس جملك فهو لك. ثم دعا بلالاً فقال: اذهب بجابر فأعطه أوقية. قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية، وزادني شيئاً يسيراً. قال: فوالله ما زال ينمي عندي، ويرى مكانه من بيننا، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا، يعني يوم الحرة سنة ثلاث وستين للهجرة. وفي رواية أن جابراً اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أن يركبه إلى المدينة. هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، فمنها: أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى الجمل من جابر، فساومه وأرضاه بالسعر. وفيه جواز المساومة. ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم من أرفق الناس بأصحابه، وذلك أنه تأخر حتى أدركه جابر بن عبد الله. ثالثاً: فيه حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: بعنيه، فقال جابر: بل أهبه لك. رابعاً: استحباب الزواج من البكر، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم جابراً بذلك. خامساً: فيه جواز الزواج بالثيب كذلك. سادساً: بيان كرم النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه بعدم اشترى البعير رده إلى جابر رضي الله عنه هبة. سابعاً: أن جابر بن عبد الله اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم لما اشترى منه الجمل أن يركبه إلى أن يصل به إلى المدينة، واستدل أهل العلم بهذا على جواز الاشتراط، أي بيع وشرط، والله أعلم. كنوز السيرة. مواقف وعبر. أرصد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين ربيئةً للمسلمين، وهما عباد بن بشر وعمار بن ياسر، فنام عمار وجلس عباد يصلي، فجاء رجل من المشركين ورمى عباداً وهو يصلي. فنزعه واستمر في صلاته، فرشقه بسهم آخر، فنزعه واستمر في صلاته، فرماه بالثالث، فلم ينصرف حتى سلم رضي الله عنه، فأيقظ صاحبه، فلما رآه قال: سبحان الله، هلا نبهتني؟ قال: إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها. وفي هذه السنة استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأنصار على سرية بعثهم، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوه، فأغضبوا أميرهم، فقال لهم: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا له، فقال: أوقدوا ناراً، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها. وهذا أمر عجيب جداً؛ لأنه فهم أنه طالما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالسمع والطاعة له، إذن يطيعونه في كل شيء، حتى لو كان في معصية الله تبارك وتعالى. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هرباً من النار، لا لكي نسقط فيها. قال: فسكن غضبه، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك، فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها. إنما الطاعة في المعروف. كنوز السيرة. عمرة القضاء سنة سبع للهجرة. مر بنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صدوا عن المسجد الحرام حتى تم صلح الحديبية. قال أبو عبد الله الحاكم: تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما هل ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وأن لا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان، وساق معه صلى الله عليه وسلم ستين بدنة، وأحرم من ذي الحليفة، وخرج مستعدا بالسلاح والمقاتلة، خشية أن يقع من قريش الغدر. فلما بلغ يأجج وضع الأدوات كلها والحجف والمجان والنبل والرماح، وخلف عليها أوس بن خولة الأنصاري في مائتي رجل، ودخل صلى الله عليه وسلم بسلاح الراكب والسيوف في القرب، وكانت قريش قد بعثت مكرز بن حفص في نفر من قريش، فقال له: يا محمد، ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت ألا تدخل إلا بسلاح المسافر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أدخل عليهم السلاح. فقال مكرز: هذا الذي تُعرف به، البر والوفاء. وهذه شهادة من أحد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم له، وهي شهادات تُترى وهي كثيرة، شهدوا له بالصدق والأمانة والبر والوفاء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الدخول راكبًا على ناقته القصواء، فخيله ونوقه والحمير والبغال كلها كان يسميها. فمن خيل النبي صلى الله عليه وسلم ما جُمِع في بيت شعر: والخيل سكب لحيف سبحة ضرب، لزاز مرتجز ورد لها أسرار. أما من البغال، فكان عند النبي صلى الله عليه وسلم بغلة سماها دلدل، وله من الحمير عفير، وله من الإبل القصواء والعضباء. وهذه الناقة لها قصة مشهورة، وذلك أنها كانت سريعة لا تُسبق، فجاء أعرابي فسابقها بناقته فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن حقًا على الله ألا يرفع من الدنيا شيئًا إلا وضعه. دخل النبي صلى الله عليه وسلم راكبًا على ناقته القصواء، والمسلمون متوشحو السيوف، محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون. وَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى جَبَلٍ فِي شَمَالِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ قُعَيْقِعَانَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ بَلَغَهُ هَذَا أَوِ اسْتَشْعَرَهُ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ الْأُولَى، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَرَوْنَهُمْ إِذَا طَافُوا مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، أَمَّا بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ فَلَا يَرَوْنَهُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ مُكَايَدَةَ قُرَيْشٍ، وَصَارَ الرَّمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ سُنَّةً، لَيْسَ فَقَطْ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، بَلْ سُنَّةً دَائِمَةً؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا حَجَّ رَمَلَ، وَلَكِنْ فِي الْبَيْتِ كُلِّهِ. دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ شَاعِرَهُ، وَشُعَرَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةٌ، هُمْ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ، خَلُّوا فَكُلُّ الْخَيْرِ فِي رَسُولِهِ، قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَٰنُ فِي تَنْزِيلِهِ، فِي صُحُفٍ تُتْلَىٰ عَلَىٰ رَسُولِهِ، يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ، إِنِّي رَأَيْتُ الْحَقَّ فِي قَبُولِهِ. بِأَنَّ خَيْرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِهِ، الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ، ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ، وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ. وَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَرَمِ اللهِ تَقُولُ الشِّعْرَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَلَهُوَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ، أَيْ هَذَا الشِّعْرُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّبَالِ. فَلَمَّا رَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ الْأَشْوَاطِ الْأُولَى وَمَنْ مَعَهُ، وَرَآهُمُ الْمُشْرِكُونَ، قَالُوا: هَؤُلَاءِ قَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، فَهَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ الْهَدْيَ الَّذِي سَاقَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، قَالَ: هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ. فَنَحَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَحَلَقَ هُنَاكَ، وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ ثَلَاثَةً، فَلَمَّا أَصْبَحَ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا، فَقَدْ مَضَى الْأَجَلُ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَعْتَمِرُ لِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ فِي سَرِفٍ وَأَقَامَ فِيهَا. كنوز السيرة.