(9) الهجرة إلى الحبشة

كنوز السيرة · المقطع 9 من 58

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

بسم الله الرحمن الرحيم. كنوز السيرة. الهجرة إلى الحبشة. كان من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه أنه لما رأى كثرة الاضطهاد أمرهم بالهجرة إلى الحبشة، وكان ملك الحبشة حينئذ يقال له أصحمة، وقد ذُكر بالعدل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض المسلمين: إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه. وكانت الهجرة الأولى سنة خمس من النبوة، فهاجر اثنا عشر رجلًا وأربع نسوة، وكان رئيسهم عثمان بن عفان، ومعه بنت النبي صلى الله عليه وسلم رقية رضي الله عنها. وحدث في تلك السنة في رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحرم، وهناك جمع كبير من قريش في نواديهم كما هي عادتهم، فقام فيهم وأخذ يتلو سورة النجم. وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ. هذه السورة بمحتواها من معانٍ وألفاظ عجيبة لم يسمعوا مثلها أبدًا. فلما وصل صلى الله عليه وسلم إلى هذه الآية: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا، سجد صلى الله عليه وسلم، فلم يتمالك أحد منهم نفسه حتى خروا ساجدين، فكل أهل مكة سجدوا، وذلك أن روعة هذه الآيات أخذت بألبابهم، فظن بعض الناس أنهم آمنوا، وأنهم تابعوا النبي صلى الله عليه وسلم، ووصل الخبر إلى أهل الحبشة أن قريشًا كلها دخلت في الإسلام، فرجعوا إلى مكة في السنة نفسها في شوال، فلما وصلوا تبين لهم أن الأمر ليس كذلك، وأن ذلك السجود إنما وقع منهم اعترافًا وإقرارًا من داخل نفوسهم بصحة نسبة هذا القرآن إلى الله تبارك وتعالى، لا اتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم. المهاجرون إلى الحبشة: جعفر بن أبي طالب، عثمان بن عفان، خالد بن سعيد بن العاص، عبد الله بن جعفر، ولد بالحبشة، أبو سلمة بن عبد الأسد، حاطب بن الحارث، عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث، معمر بن عبد الله من بني عدي، المطلب بن أزهر، سفيان بن معمر، شرحبيل بن حسنة، عمرو بن سعيد بن العاص، عبيد الله بن جحش. المهاجرات إلى الحبشة. أسماء بنت عميس، رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، همينة بنت خالد، أمة بنت خالد بن سعيد، أم سلمة، أم حبيبة بنت أبي سفيان. كنوز السيرة. قصة الغرانيق. قال الله في سورة النجم: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ. هذه الآيات لما نزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم تلاها على المسلمين والمشركين، فزعموا أن الشيطان أوحى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تلا هاتين الآيتين أنه قال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. وأنه لما سمع بهذا النبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ذلك، فأنزل الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَشْرَ مَقَامَاتٍ، فَمِنْ ذَلِكَ: أَوَّلًا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ بِوَحْيِهِ فَإِنَّهُ يَخْلُقُ لَهُ الْعِلْمَ بِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَوْ كَانَ النَّبِيُّ إِذَا شَافَهَهُ الْمَلَكُ بِالْوَحْيِ لَا يَدْرِي أَمَلَكٌ هُوَ أَمْ إِنْسَانٌ، أَمْ صُورَةٌ مُخَالِفَةٌ لِهَذِهِ الْأَجْنَاسِ أَلْقَتْ عَلَيْهِ كَلَامًا وَبَلَّغَتْ إِلَيْهِ قَوْلًا، لَمْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلَا ثَبَتَ عِنْدَنَا أَنَّهُ أَمْرُ اللهِ، وَلَوْ جَازَ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ فِيهَا أَوْ يَتَشَبَّهَ بِهَا مَا آمَنَّاهُ عَلَى آيَةٍ، وَلَا عَرَفْنَا مِنْهُ بَاطِلًا مِنْ حَقِيقَةٍ. ثَانِيًا: أَنَّ اللهَ قَدْ عَصَمَ رَسُولَهُ مِنَ الْكُفْرِ وَآمَنَهُ مِنَ الشِّرْكِ، وَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ بِإِجْمَاعِهِمْ فِيهِ وَإِطْبَاقِهِمْ عَلَيْهِ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْفُرَ بِاللهِ أَوْ يَشُكَّ فِيهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ. ثَالِثًا: أَنَّ اللهَ قَدْ عَرَّفَ رَسُولَهُ بِنَفْسِهِ وَبَصَّرَهُ بِأَدِلَّتِهِ، وَأَرَاهُ مَلَكُوتَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَعَرَّفَهُ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ إِخْوَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ، وَمَنْ خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ مِمَّنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ غَيْرَ عَارِفٍ بِنَبِيِّهِ وَلَا بِرَبِّهِ. رَابِعًا. كيف خفي على النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكفر الذي لا يجوز وروده من عند الله، ولو قاله أحد لتبادر الكل إليه بالإنكار والرد والتثريب والتشنيع، وقد رويت هذه القصة بأسانيد لا تثبت، فما من طريق إلا روي مرسلاً أو معضلاً أو موضوعاً، سواء كان هذا موصولاً أو غير موصول، وروي هذا الحديث مرفوعاً وموقوفاً، وروي مرسلاً وموصولاً، حتى قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً، إلا أن جمهور المفسرين والمحدثين ذهبوا إلى نفي صحتها، وقد تعقبه غير واحد من أهل العلم، ويتلخص الجواب عن هذه القصة بما يلي: أولاً: من جهة المتن، فقد وقع في سياقه وألفاظه اضطراب، مما يجعل النفس لا تطمئن لقبول هذه القصة، وقد سئل إمام الأئمة ابن خزيمة عنها فقال: هذا من وضع الزنادقة. ثانياً: أنها تعارض الرواية الصحيحة التي رواها البخاري في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم ثم سجد، فسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيها ذكر للغرانيق. ثالثاً: أنها تخالف صريح آيات القرآن التي تنص على أن الله لم يجعل للشيطان سلطاناً على النبي صلى الله عليه وسلم. كقوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ، وقوله سبحانه: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ. وأي سلطان أعظم من أن يلقي الشيطان على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم هذه العبارة الشركية الصريحة؟ وكذلك تخالف صريح الآيات الدالة حفظ الذكر وصيانته من التحريف والتبديل والزيادة والنقص، كقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وقوله: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، وقوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. رابعًا: قد قام الدليل القطعي، وانعقد الإجماع على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على قلبه أو لسانه، لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يتقول على الله لا عمدًا ولا سهوًا ما لم ينزل عليه. قال تعالى: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ. خامساً: إن سياق الآيات من سورة النجم فيه قرينة واضحة على بطلان هذه الرواية. أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ. فلا يستقيم السياق الذي يذم آلهة المشركين في أربع آيات متعاقبة ثم يمدحها بعد ذلك، وهذا ينزه عنه كلام البشر، فكيف بكلام الله جل وعلا الذي هو أفصح الكلام وأوضحه. سادساً: من المعلوم أن مشركي قريش كانوا أحرص الناس على دفع نبوته صلى الله عليه وسلم ودحض حجته والتشكيك في رسالته، والبحث عن أي مدخل يمكن أن ينفذوا من خلاله، ولو صحت هذه القصة لكانت مستمسكاً لهم لفتنة كثير ممن أسلم. سابعاً: قبول هذه القصة يستلزم قبول المؤمنين الشرك من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دعاهم إلى التوحيد، فكأنه نقض لدعوته، وحاشاه عن ذلك. ثامناً: أنكر هذه القصة جمع من أهل العلم، كابن حزم والقاضي عياض وابن كثير والشوكاني وغيرهم، ويبقى السؤال: لماذا سجد المسلمون والمشركون كذلك؟ أما سجود المسلمين فإنه اقتداء بنبيهم. وأما سجود المشركين، فيجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم، وخوف اعتراهم عند سماع السورة. كنوز السيرة. الهجرة الثانية إلى الحبشة. لما رجع المهاجرون من الحبشة إلى مكة، ورأوا حقيقة الأمر وجليته، وهو أن كفار مكة ما دخلوا في الإسلام، وأن تلك كانت إشاعة، هاجروا مرة ثانية إلى الحبشة، وبقي بعضهم كعثمان رضي الله عنه وزوجه رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم هاجر مرة ثانية وتبعهم آخرون، فكانت الهجرة الثانية، وكان فيها ثلاثة وثمانون رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وثمانية أو تسعة عشرة امرأة. كنوز السيرة. نصرة أبي طالب للرسول صلى الله عليه وسلم. ذهب سادات قريش إلى أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم مرة ثانية، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سناً وشرفاً ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك ولم تنهه، وإنا والله لا نصبر على هذا، يأتي ويقرأ القرآن بين أظهرنا، هذا ما لا نتحمله أبداً، من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا. حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، وهذا تهديد شديد من قريش لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى أبو طالب هذا الأمر قد اشتد، بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فذكر له ما قالوا، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمه سيخذله، وأنه ضعف عن نصرته، فقال صلى الله عليه وسلم: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته. ثم استعبر صلى الله عليه وسلم وبكى، وقام وترك أبا طالب عمه واجمًا من هذا الكلام الذي قاله صلى الله عليه وسلم. وهذه الرواية وإن كانت لا تصح سندًا، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري إلى آخره، كما ذكر أهل العلم، إلا أن السيرة يتسامح بها، ولا بأس بذكرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه لم يتنازل، ولكن هل قال هذه الكلمة بذاتها أو قال غيرها؟ العلم عند الله تبارك وتعالى. فلما مشى النبي صلى الله عليه وسلم وترك أبا طالب واجمًا، انتبه أبو طالب، ثم نادى النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع إليه صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو طالب: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، والله لا أسلمك لشيء أبدًا. وذكر أبياتًا طيبة يبين فيها صدقه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه ناصره، وإنه لن يسلمه إلى كفار مكة أبدًا. قال: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينًا، امضِ لأمرك ما عليك غضاضة، وابشر وقر بذاك منك عيونًا، ودعوتني وعلمت أنك ناصحي، فلقد صدقت وكنت قبل أمينًا، وعرضت دينًا قد عرفت بأنه من خير أديان البرية دينًا، لولا الملامة أو حذار سبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا. وفي هذه الأبيات يبين أبو طالب أنه لن يخذل النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه أيضًا أبى أن يدخل في الإسلام، ولعل من الحكمة في ذلك أنه لو دخل في الإسلام لاجترأ عليه كفار مكة كما اجترؤوا على غيره، ولكنه بقي على دينهم فلم يتجرؤوا عليه. قال هذه الأبيات، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فرحًا بما سمع من أبيات، ومن كلام أثلج صدره من عمه أبي طالب. فلما رأت قريش أن أبا طالب قد أبى أن يخذل النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه مجمع على فراقهم، ذهبوا إلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، وقالوا له: يا عمارة، نعطيك أبا طالب فتكون ولدًا له، ونأخذ محمدًا بدلًا منك ثم نقتله. وجاءوا أبا طالب وقالوا: يا أبا طالب، إن هذا الفتى، أي عمارة بن الوليد بن المغيرة، أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه لك عقله ونصره، واتخذه ولدًا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك، هذا الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل. فقال أبو طالب: والله لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدًا. والملاحظ من موقف أبي طالب من النبي صلى الله عليه وسلم ومن كفار مكة، يستغرب كيف أن أبا طالب لم يسلم ولم يتابع النبي صلى الله عليه وسلم، ولو وقفنا مع قول أبي طالب: لولا الملامة أو حذار سبة، لوجدتني سمحًا لذاك مبينًا. هذا الذي منع أبا طالب من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حق، ولذلك قال الله تبارك وتعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون. فهم يعلمون الحق، ويعلمون أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حق، وأنه رسول من عند الله، وأن الذي يتلوه ليس شعراً ولا سحراً ولا كهانة، ولكنه الكبر، والعياذ بالله تعالى. كنوز السيرة.